المقال التربوي: لماذا نكتب كثيرًا ونُغيّر قليلًا؟
في كل أزمة تعليمية تمر بها الحالة الفلسطينية، يحدث أمر متكرر:
نكتب كثيرًا!
مقالات، أوراق، بيانات، تحليلات، توصيات، يتشكل انطباع بأن هناك حراكًا فكريًا نشطًا، وأن النقاش التربوي حاضر بقوة.
لكن، بعد فترة قصيرة، يتلاشى الأثر. لا شيء يتغير فعليًا.
وهنا يظهر السؤال الذي نتجنبه غالبًا: لماذا لا يتحول هذا الإنتاج الكتابي إلى أثر حقيقي؟!
المشكلة ليست في قلة الكتابة، بل في طبيعتها.
جزء كبير من المقال التربوي الفلسطيني يتحرك في مساحة "التوصيف" أكثر من "التغيير".
نُجيد تشخيص الأزمة، نعيد صياغتها بلغة مختلفة، نُحسن توصيف الألم ،،، لكننا نادرًا ما نقترب من تفكيك آلياتها.
نكتب عن ضعف التعليم، لكننا لا نسأل: أين يتجسد هذا الضعف تحديدًا داخل الصف؟!
نكتب عن دور المعلم، لكننا لا نحدد: ما الذي يمنعه فعليًا من أداء هذا الدور؟!
نكتب عن ضرورة الإصلاح، لكننا لا نُعرّف: أي إصلاح؟! ولمن؟ وبأي أدوات؟
وهكذا، يتحول المقال إلى دائرة مغلقة: فكرة تُقال، تُعاد، تُصاغ، ثم تُنسى.
هناك أيضًا ميل واضح نحو "اللغة المريحة"! لغة لا تُزعج أحدًا، لا تُسمي الأشياء بأسمائها، ولا تقترب من مناطق التوتر الحقيقية.
نكتب بذكاء لغوي، لكن بحذر فكري.
وهذا مفهوم في سياق معقد، لكنه يطرح سؤالًا صعبًا:
هل نكتب لنُفكّر، أم لنُرضي؟! المقال التربوي، بطبيعته، يجب أن يكون مساحة مساءلة.
لا يكتفي بوصف الواقع، بل يضعه تحت المجهر.
يسأل الأسئلة التي لا تُطرح، ويقترب من مناطق الخلل حتى لو كانت حساسة.
لكن ما يحدث غالبًا هو العكس: نبتعد عن التفاصيل، ونلجأ إلى العموميات. نستخدم مفاهيم كبيرة - الإصلاح، الجودة، التمكين - لكن دون أن نربطها بسياق عملي محدد.
وهنا يفقد المقال وظيفته، لأن الفكرة التي لا تُترجم إلى واقع، تبقى فكرة ... مهما كانت جميلة.
إشكالية أخرى تتعلق بالجمهور؛ لمن نكتب؟ أحيانًا يبدو المقال التربوي وكأنه موجّه للجميع، وبالتالي لا يصل إلى أحد.
لغة أكاديمية جزئيًا، وخطاب عام جزئيًا، وغياب واضح لتحديد الجهة التي يُراد التأثير عليها: هل هو صانع القرار؟ المعلم؟ الباحث؟ الرأي العام؟ وحين يغيب الجمهور المحدد، يغيب الأثر.
في المقابل، هناك فجوة واضحة بين "المعرفة المتراكمة" و" القرار التربوي".
تُكتب دراسات، تُنشر أبحاث، تُطرح أفكار، لكنها لا تجد طريقها إلى السياسات أو الممارسات، ليس لأن المعرفة ضعيفة، بل لأن العلاقة بينها وبين القرار غير منظمة. لا توجد قنوات واضحة تُحوّل الفكر إلى فعل.
وهنا يصبح المقال، مهما كان جيدًا، جزءًا من أرشيف، لا من مسار. لكن الأخطر من كل ذلك، هو أن نعتاد هذا النمط. أن نقتنع ضمنيًا بأن دورنا ككتّاب هو "التعبير"، لا "التأثير". أن نكتب لنُسجّل موقفًا، لا لنُحدث فرقًا. وهذا تقليص خطير لدور الفكر.
المقال التربوي، إذا أراد أن يكون فاعلًا، يجب أن يخرج من هذه الدائرة.
كيف؟
أولًا: الانتقال من التوصيف إلى التفكيك
لا يكفي أن نقول إن هناك أزمة، بل يجب أن نُحدد كيف تعمل هذه الأزمة، وأين تتجلى، ومن يعيد إنتاجها؟
ثانيًا: ربط الفكرة بحالة واقعية. أي فكرة لا ترتبط بمثال أو تجربة، تبقى عامة أكثر مما يجب.
ثالثًا: تحديد الجمهور بوضوح. المقال الذي يعرف لمن يكتب، يكون أكثر قدرة على التأثير.
رابعًا: تقديم اقتراح قابل للنقاش أو التطبيق. ليس المطلوب حلولًا كاملة، بل اتجاهات واضحة يمكن البناء عليها.
خامسًا: الجرأة في طرح الأسئلة. لا تغيير دون مساءلة، ولا مساءلة دون شجاعة.
في الحالة الفلسطينية، نحن لا نعاني من نقص في الوعي التربوي، بل من ضعف في تحويل هذا الوعي إلى فعل. وهنا يصبح المقال أكثر من مجرد نص.
يصبح أداة. إما أن تُستخدم لتوسيع الفجوة بين القول والفعل، أو لتقليصها.
وفي لحظة نحتاج فيها إلى كل جهد حقيقي، لا يكفي أن نكتب أكثر، بل يجب أن نكتب بشكل مختلف.