مُؤْتَمَرُ فَتْحَ الثَّامِنُ فُرْصَةٌ لِتَصْحِيحِ الْمَسَارِ وَالْعَوْدَةِ إِلَى الْجُذُورِ
على ابواب المؤتمر الثامن لا بد من الاشارة الى ان المؤتمرات ليست مجرد استحقاقات تنظيمية، بل محطات اختبار حقيقية لمدى قدرة الحركات السياسية على مراجعة ذاتها وإعادة تعريف دورها، فالمؤتمر في جوهره، ليس مناسبة لإعادة ترتيب الهياكل فقط، بل لحظة يُطرح فيها السؤال الأصعب: هل نحن أمام عودة واعية إلى الجذور المؤسسة للفكرة؟، أم إعادة إنتاج للذات بأشكال جديدة دون تغيير في الجوهر؟
في ظل تنصل الاحتلال من استحقاقات اوسلو ومع اقتراب انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، يتعمق هذا السؤال أكثر، لأن السياق الفلسطيني بكل تعقيداته لا يحتمل إعادة إنتاج الأزمات ذاتها، ولا الاكتفاء بإدارة الواقع كما هو، بل يفرض مراجعة شاملة تعيد وصل الفكرة بمسارها الطبيعي، وتختبر القدرة على الانتقال من منطق التكرار إلى منطق التجديد.
إن خطورة هذه اللحظة لا تكمن في انعقاد المؤتمر بحد ذاته، بل في مضمونه واتجاهه: هل سيكون محطة لإعادة الاعتبار للمبادئ التأسيسية وتطوير أدواتها، أم سيتحول إلى حلقة جديدة في مسار إعادة إنتاج البنية ذاتها دون مراجعة حقيقية للجوهر؟ ومن هنا، يصبح الحديث عن المؤتمر الثامن حديثًا عن مستقبل الفكرة قبل أن يكون حديثًا عن تفاصيل تنظيمية، وعن قدرة الحركة على تجديد ذاتها دون أن تفقد معناها، واستعادة جذورها دون أن تنغلق على الماضي، والانفتاح على المستقبل دون التفريط بالثوابت.
في هذا السياق، تظل الثوابت خط الأساس غير القابل للمساس، باعتبارها المرجعية التأسيسية للوعي الوطني الفلسطيني،هذه الثوابت التي تبلورت عبر عقود من التجربة والصراع والتضحيات، فهي تؤكد أن الأرض ليست جغرافيا فحسب، بل هوية ووجود، وأن الشعب ليس كتلة بشرية، بل صاحب حق أصيل في تقرير مصيره، وأن القضية ليست ملفًا تفاوضيًا عابرًا، بل حقوق تاريخية لا تسقط بالتقادم، تشكل الحد الأدنى من الإجماع الوطني وأعلى درجات التوافق الممكن. ومن هنا فإن أي مساس بها أو إعادة تأويلها خارج سياقها التاريخي لا يُعد تعديلًا سياسيًا، بل مساسًا بجوهر الفكرة الوطنية ذاتها
أما البرنامج السياسي، فهو الجسر الذي ينقل هذه الثوابت من مستوى الفكرة إلى مستوى الفعل، وهو المعيار الحقيقي لجدية أي تجربة سياسية. فالبرامج لا تُقاس بكثافة نصوصها، بل بقدرتها على الإجابة عن أسئلة الناس اليومية: كيف يُواجَه الواقع الاقتصادي؟ كيف تُحمى البنية الاجتماعية؟ كيف يُعزَّز الصمود؟ وكيف تتحول الحقوق إلى سياسات قابلة للتطبيق، أي برنامج لا يلامس هذه الأسئلة يبقى إطارًا نظريًا، مهما بدا متقن الصياغة، بينما التحدي الحقيقي يكمن في تحويله إلى التزام يُقاس بالأثر لا بالوعود.
لكن وضوح البرنامج لا يكفي ما لم يُترجم إلى آليات تنفيذ فاعلة، وهنا ينتقل الفعل من مستوى الخطاب إلى مستوى الممارسة، فآليات التنفيذ ليست تفاصيل تقنية، بل جوهر النجاح أو الفشل، وتشمل بناء مؤسسات فاعلة لا شكلية، وتحديد واضح للصلاحيات والمسؤوليات، وترسيخ محاسبة حقيقية لا شكلية، وربط القرار السياسي بالتطبيق الإداري، وتحويل السياسات إلى نتائج ملموسة في حياة الناس، إن أخطر ما يواجه أي تجربة سياسية هو اتساع الفجوة بين القول والفعل، لأنها لا تضعف الأداء فحسب، بل تنال من الثقة، ومع الوقت من الفكرة ذاتها.
وفي موازاة ذلك، تبرز مسألة التمثيل بوصفها معيارًا حاسمًا لأي مشروع سياسي، إذ لا يمكن لأي إطار أن يدّعي تمثيل المجتمع إذا لم يكن هذا المجتمع حاضرًا داخل بنيته بشكل فعلي، إن غياب الشباب، وتهميش المرأة، وإضعاف حضور الكفاءات، لا يُنتج خللًا تنظيميًا فحسب، بل يخلق انفصالًا تدريجيًا عن الواقع، فالتمثيل الحقيقي ليس حضورًا رمزيًا، بل مشاركة فعلية في صناعة القرار وتوجيه المسار، والحزب الذي لا يشبه مجتمعه لا يمكنه أن يفهمه بعمق، ولا أن يعبر عنه بصدق.
وفي هذا الإطار، يصبح النقد الداخلي ضرورة لا يمكن تجاوزها إذا أُريد لأي عملية تطوير أن تكون جادة، فالقراءة الموضوعية لواقع حركة فتح تكشف أن أحد أبرز التحديات يتمثل في اتساع الفجوة بين الإرث التاريخي الكبير وبين الأداء التنظيمي في بعض المراحل، وهو تباين لم يعد ممكنًا التعامل معه كحالة عابرة، بل كاختلال بنيوي يحتاج إلى مراجعة عميقة وجريئة.
فالنقد لا يُقدَّم بوصفه إدانة، بل شرطًا لاستعادة الحيوية الداخلية، لأن الحركات ذات الامتداد التاريخي لا تُقاس فقط بما أنجزته، بل بقدرتها على منع تآكل أدواتها، ومن أبرز مظاهر الخلل الحاجة إلى تعزيز المؤسسة بوصفها مرجعية حاكمة بدل الأفراد ومراكز النفوذ، ومعالجة التداخل بين التنظيمي والسياسي الذي أربك القرار في بعض الحالات وأضعف فاعليته.
كما يبرز بحدة ملف المحاسبة الداخلية، الذي لم يعد يحتمل الصياغات الشكلية، بل يتطلب تحويله إلى ممارسة فعلية تُعيد الاعتبار للمساءلة داخل بنية التنظيم، إلى جانب تسريع عملية تجديد النخب القيادية بما يضمن تدفق طاقات جديدة قادرة على التعامل مع تعقيدات الواقع بدل إعادة إنتاجه.
وفي السياق ذاته، فإن أحد أخطر التحديات يتمثل في استمرار مظاهر الشللية والعشائرية والولاءات الفردية، التي تحولت في بعض المواقع من سلوكيات هامشية إلى آليات غير معلنة لإدارة النفوذ، وهذا الانزياح يُضعف منطق المؤسسة ويحوّل مركز الثقل من الفكرة العامة إلى العلاقات الضيقة، بما يتعارض جذريًا مع أي مشروع وطني يقوم على الشراكة والكفاءة لا الاصطفاف والولاء.
وإلى جانب ذلك، تبرز قضية لا تقل خطورة تتعلق بانتظام الحياة الداخلية على قاعدة المؤسسية، وفي مقدمتها الالتزام بعقد المؤتمرات الدورية في مواعيدها باعتبارها أحد أهم مؤشرات الحيوية التنظيمية، إن تأجيل الاستحقاقات أو تمديدها خارج سياقها الطبيعي لا ينعكس فقط على منسوب التجديد، بل يترك أثرًا مباشرًا على التمثيل، حيث تنشأ شرائح عمرية جديدة داخل البنية التنظيمية دون أن تأخذ حقها الطبيعي في التمثيل المتدرج داخل دوائر القرار، ما يخلق اختلالًا في التوازن الجيلي، إن استمرار هذا النمط يُضعف فكرة التمثيل الديناميكي، ويحوّل الاستثناء إلى قاعدة، بما يتناقض مع أي منطق مؤسسي يقوم على التجدد الدوري المنتظم. فانتظام المؤتمرات ليس إجراءً شكليًا، بل تعبير عن احترام القاعدة التنظيمية وقدرة الحركة على تجديد ذاتها بشكل طبيعي ومنضبط
إن تجاهل هذه الإشكالات لم يعد ممكنًا، لأن تراكمها يعني تحويلها من أعطاب قابلة للإصلاح إلى جزء من البنية نفسها، بما يجعل معالجتها لاحقًا أكثر كلفة وتعقيدًا، وأكثر إلحاحًا في الوقت ذاته.
وفي ضوء ذلك، فإن نجاح المؤتمر الثامن لا يُقاس بإعادة تشكيل الهياكل أو تغيير الأسماء، بل بقدرته على كسر منطق التكرار وإعادة إنتاج الذات،فالمطلوب ليس تبديل الوجوه، بل تغيير طريقة التفكير، وإعادة صياغة العلاقة بين التنظيم والمجتمع. نجاح المؤتمر يتطلب تجديدًا حقيقيًا لا شكليًا، وفتح المجال أمام طاقات جديدة دون إقصاء التراكم التاريخي، وتعزيز المؤسسة على حساب الأفراد، وتحويل النقاش من إدارة توازنات داخلية إلى إدارة مشروع وطني، وربط الثوابت بالفعل لا بالشعار.
وفي النهاية، ليست الأزمة في غياب الفكرة، بل في القدرة على تحويلها إلى ممارسة مستمرة وفاعلة. فالشعوب لا تتعب من المبادئ، لكنها تتعب من الفجوة بين المبدأ والتطبيق. ومع اقتراب المؤتمر الثامن لحركة حركة فتح، يبقى السؤال الجوهري: هل سيكون هذا المؤتمر لحظة مراجعة حقيقية تعيد ترتيب الداخل وتفتح أفقًا جديدًا للفعل الوطني، أم محطة إضافية في مسار التكرار؟
وبين الثوابت والبرنامج وآليات التنفيذ، وبين النقد والمراجعة، يُكتب الفرق بين حركة تعيد إنتاج نفسها، وحركة تعيد إنتاج دورها في التاريخ.