في ذكرى حسين البرغوثي المشغول بالكُليِّ والعرفانيّ
***
النموذج الذي نتحدّث عنه، بدأ معرفياً ثم انتهى عرفانياً، قاطعاً المسافة الطويلة والمُنْهِكة ما بين البصر والبصيرة، وما بين الحسّ وبين الإحساس، وما بين الكشف وبين الانكشاف.
إنه حسين البرغوثي! الذي هزّ قناعاتنا ورجّ المُسلّمات فينا، وأشاع في وعينا تلك الحرائق الصعبة؛ كان موسوعيّاً، يعرف جهلنا فيمزّقه، ويأخذنا إلى الأسئلة اللامتناهية. لم يكن لديه سقف أو مُقدّس، ولا يؤمن بالتابوات والمحظورات، فكان يسوح ويشكّك ويفاجئ ويجيب ويسأل.
نَستذكرُ حسين مثقّفاً خاصَّاً أرادَ لمعرفتهِ أنْ تصلَ بهِ إلى الحِكمة؛ الحكمةِ التي تستوعبُ الكونَ، باللُّغةِ واللَّونِ والحَركةِ وقانونِ الفيزياء. الحكمةِ التي لا تَتوقَّفُ عندَ ذاتِها، حتَّى لا تتحوَّلَ إلى قَالبٍ جاهز. كان يرغبُ بحكمةٍ مُتحوِّلةٍ لا تتوقف، حكمةٍ نقيضَ نَفْسِها وذاتِها، وكأنَّها معنى الخَلْق. كان يريدُ أن يقبضَ بأصابعهِ على تلك القوانينِ التي تحكمُ الزَّمنَ والحركةَ والمكان، ليسَ من خلالِ أدواتٍ معرفيّةٍ صارمةٍ فحسب، وإنَّما بوساطةِ الكشفِ والإلهام، وربَّما كان هذا يختصرُ سيرةَ هذا المبدعِ الفلسطينيِّ الذي أضاءَ ومضى. فمن ماركسيّةٍ شموليَّةٍ تدَّعي تفسيرَ العالم وتدَّعي
تغييرَه، إلى هيجلَّيةٍ تبحثُ عن "الكلِّي" و"الشَّامل"، ومنها إلى نيتشويَّةٍ تطمحُ إلى ذاتٍ عُليا قويَّةٍ لا تعترفُ بالضَّعفِ أو الجموع، إلى إلهاميَّةٍ صوفيَّةٍ كشفيَّةٍ تعتمدُ اللُّغة وسيلةً وهدفاً في آن.
كم كان حسين مشغولاً بالكُليِّ والشُّموليِّ والعرفانيّ!
ففي كُتبهِ النقديَّةِ الأُولى كـ"سُقوطِ الجدارِ السَّابع" و"أزمةِ الشِّعرِ المحلِّي"، اكتشفَ وكشفَ خواءَ النصّ الشِّعري المحلِّي لغيابِ المكان فيه، ولغيابِ التَّفاصيل، ولغيابِ اللَّونِ والحركةِ والصَّوت. لهذا لم يَرَ غير الأسدِ روحاً في أبي المحسَّد، لأنَّ صاحبَ السوبرمان كان حاضراً بإعجابهِ الطَّاغي بالقَويِّ الذي رآهُ في السَّيفِ الأمير، وادَّعى أنَّ الشَّاعرَ لم يَرَ النَّاسَ والضُّعفاءَ والمُرتمينَ على رصيفِ التَّاريخ. ولم يَخلِطْ المرايا لتسيلَ بهدفِ بَحْثٍ عن شكل جديدٍ بقدرِ محاولتهِ هندسةَ رؤيةٍ عقليَّةٍ أو كشفيَّةٍ إلهاميَّةٍ تمنَّاها وآمنَ بها، مثل الجَبْرِ المُفَكَّكِ الصَّادرِ عن واحدٍ فقط . ولعلَّ التَّجريبَ الشَّكلانيَّ تجربةٌ خاصَّةٌ بحسين، ولم تكنْ تجربةً مجتمعيَّة. وفي روايتهِ "الضفةِ الثَّالثةِ لنهرِ الأردن" يمكنني أن أقولَ: إنَّه كان من أوائلِ الرُّوائييِّنَ الفلسطينيِّينَ الذين كتبوا بأُسلوبٍ سرديٍّ حداثيٍّ، تداخلتْ فيهِ الأصواتُ والأزمنةُ والأمكنة، وغامرَ بتقديمِ شخصيَّةٍ لا تدَّعي البطولةَ ولا الأخلاق، وإنَّما شخصاً عاديّاً يواجهُ الكونَ منفرداً.. كان ذلك أمراً غيرَ معهودٍ في الثَّمانينيات..ولكن هذا هو حسين البرغوثي جديداً مفاجئاً ومُبتكراً.
وحسين كان يرغبُ أن يكون شاعراً، كانت تُغريهِ هذه الصِّفةُ ويُحبُّ أن يتزيّا بها، لهذا كتبَ ديوانَهُ الرَّائعَ: "ليلي وتوبة"، وفيه أرادَ من اللُّغةِ ما تخبّئ ؛ أراد أن يُحاول إمكاناتِ اللُّغة، وأنْ يستخرجَ آخِرَ ما في النصّ. كانت القصيدةُ في هذا الدِّيوانِ جزءاً
من معاناةٍ روحيّةٍ طويلة، أرادَ منها أن تكونَ إحدى الاحتمالاتِ المُمكنة، ولكن الاحتمالَ الأجمل. هذه المعادلةُ الصَّعبةُ حاولَ أن يطبِّقَها في دواوينهِ كلِّها، حيثُ القصيدةُ تَحملُ معها موجوداتِ العالمِ البصريَّةِ والسَّمعيةِ والهندسيَّة، تحاولُ أنْ تثبتَ أنَّها القصيدة الأكثرَ قُرباً من الحقيقة، ولكن حسين، ذلكَ الموسوعيَّ، الذي قرأَ وتمثَّلَ لم يتوقَّفْ عندَ هذا المقدَّسِ البَهي؛ الشِّعر، فقد كتبَ الدِّراساتِ المُبْتَكَرةَ التي لم يَسبِقْهُ إليها أحد! ففي كتابهِ "السَّادن" أشارَ بطريقةٍ فَذّةٍ إلى الرُّموز والدَّلالاتِ الكُبرى الروحيّةِ والدِّينيةِ والأَنثروبولوجيَّةِ التي حَكمتْ الإنسانَ العربيَّ قبلَ الإسلام، وأثبتَ كيف كانت على وشكِ الانهيار، وأنَّها وصلتْ إلى المرحلةِ ما قبل التَّفكك. وفي دراستهِ عن "النَّاقة" في الشِّعرِ العربيِّ الجاهليِّ أثبتَ بطريقةٍ مُعجزةٍ كيفَ أنَّ فَراغَي البحرِ والصَّحراءِ كانا أساسَ الإيقاعِ والوزنِ في بيتِ الشِّعر العربي، وربَّما كان حسين من أكثرِ الباحثينَ أصالةً في إشارتهِ إلى النَّقصِ الإيقاعيِّ في أوزان الخليل بن أحمد، من خلالِ ما أشارَ إليهِ حسين من النَّقص في التَّفعيلاتِ الطَّويلة، وتتجلَّى عبقريةُ حسين في أنَّه لم يعتمدْ على ما اجترَحهُ كمال أبو ديب أو كمال خير بك وآخرون، والذين اقترحوا نظاماً إيقاعياً بديلاً يقومُ على العلاقةِ ما بين الحُروفِ الصَّامتةِ والصَّائتهِ وعلى الحركةِ الثَّقيلةِ والخَفيفة، كما في "الفونتكس" الغربي، على اعتبارِ أنَّهم تَرجموا ومن ثم طَبَّقوا المنهاجَ الغَربيَّ على الشعرِ العربي، أما حسين البرغوثي فإنَّه ابتدعَ منهجاً معرفياً يقومُ على دراسةِ الظَّاهرةِ بشروطِها وخصوصِيَّتها من خلالِ مُتابعةِ حركةِ النُّجومِ والطَّوافِ حولَ الكعبةِ المُشرّفةِ لتأسيسِ نظامٍ إيقاعيَّ يُقارِبُ الموسيقى في الشِّعر العربي.
وفي دراساته تلك نُفاجَأُ بأنَّ حسين – رحمه الله – لم يكن يكتفي بأدواتِ المعرفةِ العلميَّة، وإنَّما كان يعتمدُ على كشفهِ وإلهامه.
في مسرحيته "لا لم يمت" كان يرغب في أنْ يملأَ العالمَ، وأنْ يملأَهُ العالم. وفي "الضوء الأزرق" رأينا تلك الرُّوحِ القلقةِ التي تبحث لها عن موقعٍ جديد، ليست بالمُرَاقِبَةِ فقط، أو المشاركةِ فحسب، بل في الخَلْقِ، أيضاً. "الضوء الأزرق" سيرةٌ جوّانيةٌ مفاجئةٌ للذَّائقةِ السَّائدة، حيث رأينا فيها الينابيعَ الأُولى للقلقِ والفنِ والمعرفة، وقدّمتْ إنساناً مفتوحَ القلبِ والعينِ على الحياةِ التي رآها مُربكةً وتستحقُّ التَّبؤرَ والانشغال، وكلّ ذلك تمّ بعُري وصراحة، وربَّما فظاظة.
أما في "حجر الورد" التي أرادَ فيها أن يصفَ إنسانَهُ الأعلى، يقول عنه، أو عن نفسه: وكأن التَّوترَ وطنهُ الأُم.
ولم يكن ضوؤه أزرق تماماً، كان آدمياً مثل كل المفقودات والأساطير الطازجة، وربما كان يشبه الخبز البلدي والنشيد المدرسيّ الصباحي، ودمعة والد الشهيد.
والبطولة لا تتجلّى في احتمال نتاج فعل المرء لإحدى اختياراته فحسب، بل وفي احتمال ما تفرضه الظروف من خيارات دون شروط أو استئذان، ولعلّ حسين كان يحتمل خياراته الحرّة القليلة، لكن خيارات الدنيا كانت ثقيلة، مبهظة وممضّة على كواهل هذا الرجل الذي أعانته ثقافتة الموسوعية، وجسارة صدره، على احتمالها، دون تبرّم أو انكسار.
***
النموذج الذي قدّمه حسين مثقفاً ومبدعاً وإنساناً، كان مختلفاً، ذلك أنه كان شجاعاً بما فيه الكفاية ليذهب إلى مناطق العتمة والجدل في ثقافتنا العربية ليمزجها مع مناطق الجدل والضجيج في الثقافة الغربية ليخرج من كل ذلك برؤية اعتمدت المنهج أكثر مما اعتمدت النتائج. كان مثقف الأسئلة أكثر من مثقف الإجابات، كان مثقف الاحتمال وليس مثقف الاكتمال، كان مثقف القلق وليس مثقف السكون والركون، وكان مثقف التوتر وليس الاستكانة. لم يبهره الغرب عند رؤية كنوز ثقافته وأسئلتها وحمولاتها ولم يتعصّب لمقولاتها أيضاً، فرأى الصورة بإحداثياتها الزمانية والمكانية، ومال إلى الاستبصار والاستبطان بما يشبه العرفانية الكشفية.
النموذج الذي قدّمه، هو النموذج الجريء الذي لم ينصع لشروط اللحظة السياسية أو الموضة العقائدية ولم ينصع ولم يخضع للموروث ولا لقداسته، ولم ينقل دون تمحيص ولم يقرأ بإنبهار بل كان حُرّاً كما ينبغي لمبدع، وسيداً كما ينبغي لمثقف.
أراد للشعر أن يعبّر عن العالم ببراءة وحكمة النصّ المقدّس، وأراد للنثر أن ينثر بدائع الكون ثم يضمّها من جديد، وأراد للتنظير النقدي أن يجمع شتات العلوم كلها لفهم الجَمال العصيّ على الفهم.
النموذج الذي نتحدث عنه، هو نموذج المبدع الذي أضاف إلى السرد ما أضاف، وأضاف إلى النثر ما أضاف، وأضاف إلى الشِعر كذلك، إذ على يدي هذا المبدع تحوّل السرد في روايته "السادن" إلى دفيئة تزهر بكلّ شيء، المتعدد والغائب والحاضر والمتواري والواضح والغامض، وعلى يديه صار النثر سبيكة ذَهب وفضة، وحمل عنه ومنه المعادلة الرياضية والمعادلة الروحية، أما الشِعر فقد صار معماراً من الاسمنت والزجاج والضوء والغيم والماء.
ما الذي أراده هذا المبدع، وما الذي بحث عنه؟! وكيف لنا أن نقيّم عمله في هذه اللحظة؟! أقول بإحساس شديد بالتواضع إن حسين البرغوثي من قلائل المبدعين الفلسطينيين الذي أراد من مشروعه الإبداعي أن يتحوّل إلى نصٍّ حضاري بكل معنى الكلمة، وأعني بذلك أن يتحول النص بإحالاته ودلالاته ورموزه إلى ممثّل أو إلى رامز للحظة الحضارية التي انتهى إليها ويكتب فيها..أي أراد أن يجعل من نصّه خلاصة ما وصل إليه من أفكار ورؤى ومقولات. أراد بحق أن يردّ وأن يبحث عن إجابة، أراد بحق أن يحدد مواقعه ومواقفه ما وسعه إلى ذلك من سبيل. والمشكلة هنا أو الممتع أيضاً أن ما كان يصل إليه مبدعنا كان يتركه سريعاً معتقداً أن الوقوف مقتل وأن الاستكانة مجرد قبر. إذن؛ نحن أمام مبدع حقيقي، راحل أبداً، متطلع أبداً، يسعى إلى معبد الجَمال وهيكل الفن أنّى وجد، ولأن الفكرة في حدّ ذاتها غامضة وعصية على الإمساك، فإن بحث هذا المبدع لم يتوقف، كان يعتقد أن كل ما يُفَسَّر غير جدير بالتوقّف عنده، وكل ما يُحَاطُ به دليل على نقصانه، وفي ديوانه "ليلة وتوبة" يعبّر شاعرنا عن خيبة أمله من الكلمات التي يستطيع قولها ويتمنى تلك التي لم يقلها، وفي الديوان ذاته، يسأل الحجر عن عدد التماثيل اللانهائي الذي يستطيع هذا الحجر أن يشكّلها.
هذا النموذج من المبدعين يذكرنا بأولئك المتصوّفة الذين جعلوا لمراتب الوجْد والكشف درجات ومقامات لا تُبلغ ولا تُرتقى إلا بالجهد، وهو ما كان يعبّر عنه مبدعنا الأصيل "بقوة الروح". والجهد لا يعتمد على المعرفة فقط، الجهد هو التأمّل، وهو الإشراق، وقد يكون من الغريب أن هذه الكلمة بالذات التي انحدرت إلينا من لغة المتصوف السهروردي كانت إحدى مفردات مبدعنا الكبير أيضاً.
الدكتور حسين البرغوثي، كان يعرف تماماً واقعة الثقافي والفكري، كان يعرف أنه نتاج ثقافة بشرية كونية، ثقافتنا فيها جزء من كلّ، وإذا كان لنا شرف الانتماء إليها، إلا إنها ككل ثقافة عريقة تعاني من نواقص وعيوب، وكان مبدعنا الكبير أحد الذين حفروا تحت جذر هذه الثقافة في أخص خصوصيتها وأكثرها حساسية، وقدّم أفكاراً جديدة بالاهتمام والتحقق.
قدّم لنا حسين قلقه لنتعلم منه، وعلّمنا أن لا نمرّ على ظواهر الأشياء فنتوقف عندها، طلب منا ببساطة وحكمة أن نحدق وأن نتبصّر، ليس لنعرف فقط، وإنما لنكتشف ذواتنا وأن نغيّر أماكننا، لأن الأماكن التي لم نرها هي الأكثر جمالاً واستحقاقاً وجدارة بالمغامرة والجهد والتبؤر.
ذكرى هذا المبدع المختلف، في قلوبنا دائماً..له الرحمة، ولإبداعه البقاء.