التهمة: فقير وعاطل عن العمل
منذ السابع من أكتوبر، انقلبت الحياة الفلسطينية رأسا على عقب.
لم يعد الحال حالا، ولا الناس هم الناس.
الحرب لم تترك أثرها على الجغرافيا فقط، بل امتدت لتطال البشر والشجر والحجر، ولتضرب في عمق الحياة اليومية للفلسطيني الذي وجد نفسه فجأة محاصرا بالخوف، والفقد، والجوع، والبطالة، وانعدام اليقين.
الاحتلال لا يخوض حربا عسكرية فقط، بل يعمل بصورة ممنهجة على تفكيك المجتمع الفلسطيني ودفعه نحو الانهيار البطيء والهجرة الصامتة. وقد كتبت سابقا عن موجات الرحيل التي طالت خيرة شبابنا؛ شباب حملوا حقائبهم وغادروا بصمت بعدما فقدوا الأمل في مستقبل مستقر داخل وطنهم. أما من لم يجد طريقا للخروج، فبقي هنا يصارع الحياة بأظافره، يقاوم الفقر والبطالة والديون وغلاء المعيشة وانهيار مصادر الدخل.
كنا نقول دائما إن أعظم أشكال المقاومة اليوم هو تعزيز صمود الإنسان الفلسطيني، وحمايته اقتصاديا واجتماعيا ونفسيا، لأن الاحتلال يدرك جيدا أن كسر الإنسان أخطر من هدم الحجر. لكن ما يجري على الأرض يبدو، بكل أسف، معاكس تماما لهذا المنطق.
ففي الوقت الذي يعيش فيه الناس واحدة من أقسى المراحل الاقتصادية والاجتماعية في تاريخهم الحديث، تتسع دائرة الملاحقات القضائية، وأوامر الحبس، والقضايا المالية بحق آلاف المتعثرين الذين لم يسقطوا لأنهم مجرمون أو لصوص أو خارجون عن القانون، بل لأن الحياة نفسها سقطت فوق رؤوسهم دفعة واحدة.
كيف يمكن توصيف أب فقد عمله، ولم يعد قادرا على دفع شيك أو قسط أو دين تراكم عليه، بأنه "خطر" يستحق المطاردة والسجن؟
كيف تحول المواطن المنهك إلى متهم فقط لأنه لم يعد قادرا على الاحتمال؟
نعم، الأمن والأمان خط أحمر، والجريمة يجب أن تواجه بحزم، والمجرمون مكانهم السجون، وهذا أمر لا نقاش فيه. لكن الخلط بين المجرم الحقيقي وبين المواطن الذي حطمته الحرب والبطالة والاختناق الاقتصادي يمثل خطأ أخلاقيا واجتماعيا وقانونيا خطيرا.
ما يحدث اليوم هو أن الفقر نفسه بات يعامل كجريمة.
شرطي مرهق يطرق باب منزل مواطن متعثر، وقاض منهك يصدر أوامر الحبس وفق قانون قديم لا يراعي حجم الكارثة الاقتصادية الحالية، ومواطن مكسور يحاول فقط ألا ينهار أمام أطفاله. ثلاثتهم أبناء الأزمة ذاتها، لكن الحلقة الأضعف وحدها تدفع الثمن كاملا.
أما من هم أعلى من كل ذلك، فيعيش كثير منهم بعيدا عن هذا الوجع اليومي؛ في عالم التقارير والأرقام والخطابات الرسمية، حيث تبدو المعاناة مجرد ملفات على الطاولات، لا قصص بشر يختنقون بصمت داخل البيوت.
المؤلم أكثر أن السلطة الفلسطينية وقعت على اتفاقيات ومعاهدات دولية تتحدث بوضوح عن حماية الكرامة الإنسانية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وضرورة حماية الفئات الهشة في أوقات الأزمات والحروب. لكن الواقع يقول إن المواطن يشعر اليوم بأنه يترك وحيدا في مواجهة الانهيار.
والأكثر قسوة أن الحكومة التي تطارد المدينين والمتعثرين اليوم، هي ذاتها التي تغنت لسنوات بالعمال الفلسطينيين، وقدمتهم بوصفهم ركيزة الاقتصاد وصمام الأمان الاجتماعي. هؤلاء أنفسهم الذين كانت السلطة تراهن على دخولهم، ورواتبهم ودوران عجلة السوق عبر تعبهم اليومي، ترك كثير منهم فجأة بلا حماية حين انهارت الأعمال وتوقفت التصاريح وأغلقت مصادر الرزق.
العامل الذي كان يستيقظ قبل الفجر ليعبر الحواجز، ويعود آخر النهار محملا بالتعب كي يطعم أبناءه، لم يكن يتخيل أن يتحول يوما من "قصة صمود" إلى ملف تنفيذي في المحاكم.
والشاب الذي استدان ليفتح مشروعا صغيرا، أو ليبني بيتا، أو ليؤمن حياة كريمة لعائلته، لم يكن يخطط للهروب من القانون، بل كان يحاول النجاة في اقتصاد هش ينهار عند أول صدمة.
لكن حين جاءت الحرب، سقط كل شيء دفعة واحدة:
توقفت الأعمال، تبخرت الوظائف، انهارت القدرة الشرائية، تراكمت الديون، وبقي الإنسان الفلسطيني وحده في مواجهة آلة اقتصادية وقانونية لا تسأل كثيرا عن الظروف، بل تطالب بالدفع فقط.
الحكومة، بعجزها أو بصمتها، تركت الناس فريسة لقطاع مالي متوحش ينهش ما تبقى من قدرتهم على الصمود.
جهات استشرست في ملاحقة المتعثرين، وشركات خدمات لم تعد ترى في المواطن إنسانا ينهار تحت وطأة الحرب، بل رقم حساب متعثر يجب تحصيله بأي طريقة.
تحول المواطن من إنسان يعيش أزمة وطنية عامة إلى "ملف ديون"، ومن أب يحاول النجاة بأسرته إلى مطلوب للتنفيذ، ومن ضحية لحرب واقتصاد منهار إلى متهم دائم بالعجز.
وفي الوقت الذي يفترض فيه أن تتدخل الدولة لحماية الناس من الانهيار الكامل، ترك كثيرون وحدهم في مواجهة البنوك والمحاكم والفوائد والغرامات وأوامر الحبس، وكأن المطلوب من الفلسطيني أن يصمد في وجه الاحتلال، والحرب، والجوع، والبطالة… ثم يحاسب لأنه لم يعد قادرا على الدفع.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود القانون، بل في غياب العدالة الاجتماعية داخل تطبيقه. فالقانون الذي لا يرى الظروف الاستثنائية، ولا يميز بين المحتال والضحية، يتحول مع الوقت إلى أداة قاسية تعمق الانكسار بدل أن تعالج الأزمة.
صحيح أن الحكومة نفسها تعيش أزمة مالية وسياسية خانقة، وأن الاحتلال ينهك كل مفاصل الحياة الفلسطينية، لكن هذا لا يعفي أحدا من البحث عن حلول أكثر إنسانية وعدالة. فهناك دائما بدائل:
تجميد أوامر الحبس في القضايا المالية خلال فترات الطوارئ.
إطلاق برامج تسويات وطنية.
حماية صغار المدينين.
وإعادة تعريف مفهوم العدالة في زمن الانهيار.
لأن العدالة الحقيقية لا تعني فقط تطبيق القانون بحرفيته، بل تعني أيضا فهم الظروف التي دفعت الناس إلى حافة السقوط.
في فلسطين اليوم، كثيرون لا يحتاجون إلى السجن، بل إلى فرصة جديدة للحياة.
يحتاجون إلى عدالة ترى ظروفهم، لا إلى محاكمات تضعهم في قفص الاتهام بتهمة الفقر والبطالة.