الانقضاض على ما تبقى من أوسلو
مرّت سنواتٌ على توقيع أوراق أوسلو في البيت الأبيض، كان ذلك في الثالث عشر من أيلول عام 1993، خلال هذه السنوات، جرت حالة مدٍ وجزرٍ سياسي، شهدت صراعاً مريراً بين عملية سلامٍ طموحة هدفت إلى إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وبين معوّقاتٍ جدية، هدف أصحابها إلى إحباط العملية من أساسها، وقد نجحت القوى المناوئة ليس فقط في تدمير المحاولة، بل إلى تحويلها إلى مستنبتٍ نشطٍ أنتج حروباً داميةً بين الطرفين، وصلت إلى حرب إبادةٍ في غزة، وحرب إبادةٍ بالتقسيط في الضفة، إلى أن وصلنا إلى ما نحن فيه الآن، بحيث دُمّرت أوسلو على الأرض، إلا من بقايا أمرٍ واقعٍ ينتظر الانقضاض النهائي عليه بتشريعٍ من الكنيست.
نتنياهو طلب تأجيل النقاش البرلماني حول القانون الذي يقضي بإلغاء أوسلو بصورةٍ مطلقة، وذلك بسبب عدم تأكده من أن الإدارة الأمريكية قد لا تقدّم الدعم اللازم لهذه الخطوة الجذرية، فضلاً عن يقينه بأن وضع إسرائيل على الساحة الدولية سوف يزداد سوءاً بفعل حجم المعارضة لخطوةٍ كهذه.
تأجيل النقاش حول إنهاء أوسلو لا يعني تأجيل العمل على الأرض، ذلك أن سياسة نتنياهو في هذه الفترة بالذات، تتطلب استخدام عصاً غليظةً تعمل تحت ساترٍ من صوتٍ منخفض، ليتفادى بذلك ردود فعلٍ دوليةٍ ما تزال أطرافها ترى أن بعث حياةٍ في أوسلو المحتضرة أمراً ممكناً.
أوسلو بالنسبة لنتنياهو لم تعد قائمةً على الصعيد السياسي، والغريب أن رعاة أوسلو من دول العالم، وإن كانوا يظهرون معارضةً لفظيةً لسياسة نتنياهو التدميرية لأوسلو وغيرها، لا يحرّكون ساكناً لمنعه من مواصلة عمله وفرض أجنداته المعاكسة.
إن القرار البرلماني لإنهاء أوسلو، مؤجلٌ حتى يتم أولاً على الأرض، بما يعني وضع العالم المعارض، أمام أمرٍ واقعٍ لا مفرّ من التعامل معه، وهذا ما يعمل عليه نتنياهو وائتلافه ليس في فترتهم فقط، وإنما بفرضه على من سيأتون بعده.