بيان شبيب: المسرح الفلسطيني يعيش صدمة جماعية ويقاوم من أجل البقاء
في حلقة استثنائية من بودكاست "ضيف الرايـــة" برعاية شركة جوال، فتحت الفنانة والمخرجة والباحثة الفلسطينية السورية بيان شبيب؛ أبواب الحديث حول واقع المسرح الفلسطيني، وتحولات السردية الوطنية، والأزمات النفسية والثقافية التي يعيشها الفنانون الفلسطينيون في ظل الحرب المستمرة على غزة وما سبقها من أحداث سياسية واجتماعية متراكمة.
وبيّنت شبيب، وهي ممثلة وكاتبة ومخرجة مسرحية وباحثة دكتوراه متخصصة في تقاطعات المسرح والصدمات والخيال التحرري، أن المسرح الفلسطيني لم يعد مجرد مساحة فنية، بل تحول إلى مساحة مواجهة وأسئلة ونجاة جماعية، في وقت يعيش فيه الفلسطينيون حالة من “العبثية والسريالية” السياسية والإنسانية.
وقالت إن الفلسطينيين يعيشون اليوم داخل “مشهد يتكرر بلا نهاية”، مؤكدة أن المسرح في جوهره يجب أن يمنح الجمهور لحظة انتصار أو ضحك أو تطهير نفسي، بينما الواقع الحالي يسلب الناس حتى القدرة على البكاء أو الضحك الطبيعي.
وخلال اللقاء، تحدثت شبيب عن هويتها باعتبارها “فلسطينية سورية”، مشيرة إلى أنها رغم عودتها إلى فلسطين بعد اتفاق أوسلو، لا تزال تشعر بأنها لاجئة حتى يتحقق حق العودة الكامل إلى مدينتها الأصلية يافا.
وأكدت أن الثقافة والفنون قادرة على جمع الفلسطينيين رغم الانقسامات السياسية والجغرافية، موضحة أن قاعة المسرح أو السينما قد تتحول أحيانًا إلى المساحة الوحيدة التي يلتقي فيها الجميع حول رواية ووجع مشترك.
المسرح بين الضحك والوجع
وتطرقت شبيب إلى أهمية الكوميديا السوداء والمسرح الساخر في الحالة الفلسطينية، معتبرة أن الضحك شكل من أشكال المقاومة والتعافي الجماعي، خصوصًا في ظل التراكم الهائل للألم والخسارات.
وأشادت بالعروض المسرحية الكوميدية الحديثة التي استطاعت جمع فلسطينيين من مختلف المدن والمناطق رغم الحواجز والقيود، مؤكدة أن الجمهور الفلسطيني “بحاجة إلى الضحك لأنه متألم، وليس لأنه غير مكترث”.

كما انتقدت اختزال الفن الفلسطيني عالميًا في صورة “الضحية الباكية”، معتبرة أن الفلسطيني يُطلب منه دائمًا تقديم ذاته عبر مشاهد البكاء والاستجداء فقط، بينما تكمن قوة الإبداع الفلسطيني في قدرته على تجاوز هذه الصورة وإنتاج خطاب فني أكثر عمقًا وسخرية وذكاء.
أزمة المسرح بعد 7 أكتوبر
وحول واقع المسرح الفلسطيني بعد الحرب على غزة، قالت شبيب في حديثها عبر شبكة رايـــة الإعلامية إن القطاع الثقافي تلقى “صفعة كبيرة” على المستويين النفسي والمؤسساتي، موضحة أن الكثير من الفنانين والكتاب يعيشون حالة صدمة جماعية وفقدان للبوصلة.
وأضافت أن معظم المسارح الفلسطينية تعتمد على التمويل الخارجي، لكن عدداً من المؤسسات المسرحية الفلسطينية اتخذت مواقف أخلاقية برفض التمويل القادم من دول دعمت الحرب على غزة أو التزمت الصمت تجاهها.
وأشارت إلى أن ذلك تسبب بتراجع الإنتاج المسرحي بشكل واضح، في ظل غياب دعم رسمي حقيقي ومستدام للقطاع الثقافي، مؤكدة أن الثقافة الفلسطينية ما زالت تعتمد غالبًا على المبادرات الفردية أكثر من وجود استراتيجية وطنية متكاملة.
استهداف المؤسسات الثقافية
وتحدثت شبيب عن الاستهداف الإسرائيلي للمؤسسات الثقافية الفلسطينية، وعلى رأسها مسرح الحكواتي في القدس ومسرح الحرية في جنين، معتبرة أن ما يحدث يشكل هجومًا مباشرًا على الذاكرة والهوية الفلسطينية.
وقالت إن اقتحام المسارح واعتقال الفنانين وإغلاق المساحات الثقافية لا يقل خطورة عن استهداف أي مؤسسة وطنية أخرى، لأن الاحتلال يدرك حجم تأثير الفن والمسرح في حماية الهوية الفلسطينية، خاصة في القدس.
الفنانون أيضًا يحتاجون إلى التعافي
وفي جانب إنساني لافت من الحوار، كشفت شبيب عن تجربة بحثية أجرتها ضمن دراستها للدكتوراه، جمعت خلالها عدداً من المسرحيين الشباب في ورشة كتابة حول “المستقبل”، لكنها تحولت إلى مساحة بكاء جماعي وتفريغ نفسي.
وقالت إن كثيرًا من الفنانين الفلسطينيين يعيشون اليوم مشاعر الخوف والذنب والضياع، ويشعرون بأن آلامهم الشخصية “أصبحت صغيرة” أمام حجم المأساة في غزة، ما خلق حالة من الإنهاك النفسي والعجز الإبداعي لدى كثيرين.
كما حذرت من موجة “هجرة مقنعة” قد تطال الشباب العاملين في المجال الثقافي والفني، في ظل غياب البيئة الحاضنة والدعم المستدام.
وفي ختام اللقاء، شددت بيان شبيب على أن المسرح الفلسطيني سيبقى مساحة مقاومة وذاكرة وشهادة، مؤكدة أن الأجيال الحالية تتحمل مسؤولية إبقاء هذا الباب مفتوحًا أمام الفنانين الشباب رغم كل الظروف والتحديات.
بودكاست "ضيف الرايـــة" برعاية شركة جوال، يقدّم مساحة إنسانية ومهنية مفتوحة لسرد الحكايات الفلسطينية، وتسليط الضوء على شخصيات تركت أثرًا حقيقيًا في المجتمع، بعيدًا عن القوالب التقليدية للمقابلات الإعلامية.