تقرير "شمس" يكشف تصاعد الحرب الإسرائيلية على السكن والوجود الفلسطيني
أصدر مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية "شمس" تقريره السنوي حول عمليات الهدم والانتهاكات الإسرائيلية ضد منازل ومنشآت الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة خلال العام 2025، والذي يرصد بصورة تفصيلية واقع الانتهاكات الإسرائيلية المتصاعدة بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية بما فيها القدس المحتلة، في ظل واحدة من أكثر المراحل السياسية والأمنية والإنسانية خطورة منذ سنوات.ويغطي التقرير الفترة الممتدة من 1/1/2025 وحتى 31/12/2025،استناداً إلى عمليات الرصد والتوثيق الميداني التي نفذها طاقم وباحثو المركز في مختلف المحافظات الفلسطينية.
وأكد المركز أن التقرير يأتي في سياق استمرار الحرب الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية وما رافقها من تصعيد واسع وخطير في الضفة الغربية والقدس، حيث استغلت سلطات الاحتلال حالة الانشغال الدولي بالحرب لتوسيع سياسات الهدم والاستيطان والإخلاء القسري وفرض وقائع جديدة على الأرض الفلسطينية. وأوضح المركز أن ما يجري لا يمكن اعتباره مجرد إجراءات إدارية مرتبطة بالتنظيم والبناء كما تدعي سلطات الاحتلال، بل يمثل سياسة استعمارية ممنهجة تهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية وتقويض الوجود الفلسطيني ديمغرافياً وسياسياً واجتماعياً.
وبيّن التقرير أن عام 2025 شهد ارتفاعاً خطيراً في أعداد عمليات الهدم مقارنة بالأعوام السابقة، حيث بلغ مجموع عمليات الهدم (1092) عملية هدم، إلى جانب (489) إخطاراً بالهدم أو وقف البناء أو المصادرة أو الإخلاء، فيما وصل مجموع المنشآت المستهدفة بمختلف أشكال الانتهاكات إلى (1582) منشأة فلسطينية. وأشار التقرير إلى أن هذه الأرقام تكشف عن تصعيد غير مسبوق في سياسات الاحتلال الرامية إلى التضييق على الفلسطينيين ودفعهم نحو النزوح القسري التدريجي، خاصة في القدس والمناطق المصنفة (C) والأغوار الفلسطينية.
وأوضح التقرير أن محافظة القدس جاءت في صدارة المحافظات الفلسطينية الأكثر استهدافاً بعمليات الهدم، حيث سجلت (300) عملية هدم، تلتها محافظة الخليل بـ(220) عملية، ثم نابلس بـ(108) عمليات، وبيت لحم بـ(105) عمليات، ورام الله بـ(102) عملية. كما سجلت القدس أيضاً أعلى نسبة من الإخطارات بالهدم والمصادرة والإخلاء، الأمر الذي يعكس حجم الاستهداف الإسرائيلي المكثف للمدينة المحتلة ومحيطها، في إطار مشاريع الضم والتوسع الاستيطاني، وعلى رأسها مشروع (E1) الذي يستهدف فصل القدس عن امتدادها الفلسطيني الطبيعي وتقطيع أوصال الضفة الغربية.
وأشار مركز "شمس" إلى أن التقرير يكشف بصورة واضحة أن الاستهداف الإسرائيلي لا يقتصر على المنازل السكنية فقط، وإنما يطال مختلف جوانب الحياة الفلسطينية. فقد شملت عمليات الهدم والإخطارات منشآت سكنية وزراعية وتجارية وصناعية وسياحية ودينية، إضافة إلى استهداف مدارس، ومساجد، وآبار مياه، ومنشآت حيوية، ومبانٍ تابعة لمجالس قروية، وحدائق ومنتزهات، وحظائر للماشية، ومرافق اقتصادية صغيرة تشكل مصدر رزق لمئات العائلات الفلسطينية. وأكد التقرير أن هذا التنوع في الاستهداف يعكس وجود سياسة إسرائيلية منظمة تهدف إلى ضرب البنية الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية وتقويض مقومات الصمود والبقاء على الأرض.
كما أظهر التقرير أن الاحتلال الإسرائيلي يواصل استخدام منظومة التخطيط والبناء كأداة استعمارية للسيطرة على الأرض، حيث تصدرت حجة "البناء دون ترخيص" غالبية عمليات الهدم والإخطارات، خاصة في المناطق المصنفة (C)، رغم أن سلطات الاحتلال تفرض قيوداً شبه مستحيلة على حصول الفلسطينيين على تراخيص بناء في تلك المناطق. وأوضح المركز أن الاحتلال يدفع الفلسطينيين بصورة ممنهجة إلى البناء دون ترخيص نتيجة الحاجة الطبيعية للسكن والتوسع السكاني، ثم يستخدم ذلك لاحقاً ذريعة لهدم المنازل والمنشآت وفرض مزيد من التضييق على الوجود الفلسطيني.
وأضاف التقرير أن سلطات الاحتلال استخدمت أيضاً ذرائع أخرى لتبرير عمليات الهدم، من بينها الادعاءات الأمنية، أو إقامة مشاريع استيطانية مكان المنشآت الفلسطينية، أو القرب من الجدار الفاصل، أو وقوع المنشآت في مناطق تدريب عسكرية. وأكد المركز أن هذه الحجج تعكس محاولة مستمرة لإضفاء غطاء قانوني شكلي على سياسات تنتهك بصورة صارخة قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
وسلط التقرير الضوء بصورة خاصة على سياسة "الهدم الذاتي"، التي وصفها بأنها من أكثر أشكال الانتهاكات الإسرائيلية قسوة وإذلالاً بحق الفلسطينيين، حيث تُجبر العائلات الفلسطينية، خاصة في القدس المحتلة، على هدم منازلها ومنشآتها بأيديها تحت تهديد فرض غرامات مالية باهظة أو تحميلها تكاليف الهدم القسري إذا امتنعت عن التنفيذ. وأوضح التقرير أن هذه السياسة لا تهدف فقط إلى إزالة المباني، بل إلى تعميق القهر النفسي والاجتماعي وتحويل الضحية إلى أداة لتنفيذ الجريمة بحق نفسها.
ووفقاً للمعطيات التي وثقها التقرير، أجبرت سلطات الاحتلال خلال العام 2025 أصحاب (100) منشأة على تنفيذ الهدم الذاتي، غالبيتها العظمى منازل سكنية في مدينة القدس المحتلة. كما شملت هذه المنشآت منشآت تجارية وغرفاً سكنية وزراعية وحظائر لتربية المواشي. وأكد المركز أن سياسة الهدم الذاتي تمثل شكلاً من أشكال العنف النفسي المنظم،
وتهدف إلى تقليل الكلفة السياسية والإعلامية عن الاحتلال عبر دفع الفلسطيني إلى هدم منزله بنفسه بدلاً من ظهور مشاهد الجرافات العسكرية أمام وسائل الإعلام.
كما تناول التقرير الأثر الإنساني والاجتماعي العميق لهذه السياسات، خاصة على النساء والأطفال. فقد بيّن التقرير أن النساء الفلسطينيات يتعرضن لعنف مركب نتيجة سياسات الهدم والتهجير، سواء بوصفهن نساء أو باعتبارهن جزءاً من الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال. وأشار إلى أن عشرات المنشآت التي تملكها نساء تعرضت للهدم أو الإخطارات أو المصادرة خلال العام 2025، الأمر الذي يضاعف من الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والنفسية الواقعة عليهن، خاصة في ظل فقدان الاستقرار الأسري ومصادر الدخل والأمان.
وأكد التقرير أن الأطفال الفلسطينيين يشكلون من أكثر الفئات تضرراً من عمليات الهدم، إذ تؤدي مشاهد اقتحام المنازل وتدميرها أو إجبار العائلات على مغادرتها إلى صدمات نفسية عميقة قد تستمر آثارها لسنوات طويلة، بما في ذلك القلق والخوف واضطرابات النوم والشعور الدائم بعدم الأمان. كما أن التشريد القسري وفقدان الاستقرار السكني يؤثران بصورة مباشرة على حق الأطفال في التعليم والصحة والحياة الكريمة.
وفي الجانب القانوني، شدد التقرير على أن سياسات الهدم الإسرائيلية تمثل انتهاكاً واضحاً لاتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر تدمير الممتلكات الخاصة والعقوبات الجماعية، كما قد ترقى في كثير من الحالات إلى جرائم حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، خاصة في ظل الطابع الواسع والممنهج لهذه السياسات وارتباطها بمشاريع الضم والاستيطان والتهجير القسري. وأكد المركز أن استخدام الاحتلال لذرائع "الأمن" أو "الردع" لا يبرر قانونياً استهداف المدنيين أو معاقبة عائلات بأكملها على أفعال مزعومة لأفراد منها.
كما أشار المركز إلى أن استمرار هذه الانتهاكات في ظل غياب المساءلة الدولية الفاعلة يشجع سلطات الاحتلال على مواصلة سياساتها القائمة على القوة والإفلات من العقاب، ويقوض مصداقية منظومة القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وأضاف أن الصمت الدولي أو الاكتفاء ببيانات الإدانة الشكلية لم يعد كافياً أمام حجم الجرائم والانتهاكات المستمرة بحق الفلسطينيين.
ودعا مركز"شمس" المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، والدول الأطراف في اتفاقيات جنيف، والمؤسسات الحقوقية الدولية، إلى تحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه ما يتعرض له الفلسطينيون من انتهاكات ممنهجة تستهدف حقهم في السكن والأرض والوجود والكرامة الإنسانية. كما طالب بضرورة اتخاذ خطوات عملية وجادة لوقف سياسات الهدم والتهجير والاستيطان، وتفعيل آليات المساءلة الدولية، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، وتوفير الحماية الدولية العاجلة للمدنيين الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة.
وأكد المركز في ختام تقريره أن معركة الفلسطيني من أجل حماية منزله وحقه في السكن ليست معركة مرتبطة بالحجر فقط، بل هي معركة تتعلق بالهوية والذاكرة والوجود والحق في البقاء على الأرض. وشدد على أن استمرار الفلسطينيين في مواجهة سياسات الهدم والاقتلاع يمثل شكلاً من أشكال الصمود والدفاع عن الحق الطبيعي في الحياة والحرية والكرامة، في مواجهة مشروع استعماري يستهدف الإنسان والأرض معاً.
لقراءة التقرير اضغط على الرابط أدناه
https://www.shams-pal.org/wp-content/uploads/2025/reports/annual-report-on-demolitions-2025.pdf