كتاب صديقي الأحمق العزيز للكاتب بكر أبوبكر

2026-05-14 09:14:08

إطلالة على كتاب: صديقي الأحمق العزيز! الحمقى والأغبياء في السياسة والتنظيم- للكاتب بكر أبو بكر | دار البيرق للنشر والتوزيع | رام الله 2026

أولاً: فكرة الكتاب ومنطلقه
يقدّم بكر أبو بكر في هذا الكتاب معالجةً شخصية وتحليلية لظاهرة الحمق والغباء في الحياة العامة والتنظيم السياسي، مستنداً إلى تجربته الميدانية الطويلة في العمل الوطني الفلسطيني، وإلى التراث العربي الأدبي والفكري الغني في هذا الباب. الكتاب ليس دراسة أكاديمية جافة، بل هو أقرب إلى مرافعة حيّة تجمع بين الطرافة والعمق والمرارة.

ثانياً: محاور الكتاب الرئيسية
1- الأحمق في حياتنا اليومية
يستهل الكاتب بوصف "الشخص المُتعِب" الذي لا يرى الآخرين، كثير الشكوى، عظيم الادعاء مع ضعف الخبرة، لا يعترف بخطئه ولا يُحسن قول "آسف". ويؤكد أن هذا النموذج لا يقتصر على الشارع، بل يتسلل إلى المنظمات السياسية والثقافية وهياكل العمل المؤسسي.
يحدد الكاتب ست خصال للأحمق نقلاً عن حكمة العرب: الغضب من غير شيء، الإعطاء في غير حق، الكلام بلا منفعة، الثقة بكل أحد، إفشاء السر، وعدم التمييز بين العدو والصديق — مع توهّمه أنه أعقل الناس.

2- ثلاثة نماذج إشكالية
يُميّز أبو بكر بين ثلاثة أنماط من الشخصيات الصعبة:
الأحمق: لا يرى الآخر، يستهين بغيره، يظن بنفسه المقدرةَ الحصرية على الفهم، ويفتقر إلى أدوات التفكير المنهجي.
أسود القلب: مدمن الظلمة والحقد، يطعن في الخلف، لا تُجدي معه المساحيق ولا حُسن النية. يستشهد الكاتب بأبيات عنترة وأقوال الحكماء في التحذير من مجالسته.
صاحب البئر المعطّلة: يستعير الكاتب الصورة القرآنية (الحج: 45) لوصف شخصية تظن نفسها موسوعية مكتملة، بينما هي في الحقيقة خاوية لا يستقي منها أحد، محاطة بحاشية من "البصّاصين" و"الدسّاسين".

3-من تجربة التنظيم السياسي: حقل الغباء
يسرد الكاتب نماذج حيّة من تجربته، أبرزها:
الأحمق الحافز: زميل يطالبه بالكتابة في "فن القيادة"، ثم يختزل القيادة كلها في شخصية "سوبرمان" الخيالية، غير مدرك لعمق ما يقوله ولا لضحالة ما يعنيه.
السياسي الأحمق: قائد يتحدث ثلاث ساعات في ندوة يسرد فيها ذكريات طفولته وانفعالاته الشخصية، ويمنع الحضور من الخروج، متوهماً أن "المثير قادم"، خالطاً بين الوقائع والمشاعر وما يجب وما لا يجب قوله.
الأحمق القائد: شخصية سياسية معروفة وزّعت محافظات فلسطين المحتلة على أنصارها مقدماً، مكتفيةً بالصوت العالي دون تخطيط أو تحالفات.

4- ملخص الأحمق في 18 نقطة
يُدرج الكاتب قائمة جامعة من خلاصة تجربته، أبرزها:
الغرور الفاضح مع الغباء الواضح، وضحالة الفكر وافتقار المنهج، والانزياح عن الموضوع وجرّ الآخرين إلى اللاصلة، ورفض الاعتراف بالخطأ وقلب الآية على محاوره، والتكرار الممل مع القناعة بالانتصار، مع فقر الأفكار والمفردات وضيق الأفق، والى ذلك الميل للمبالغة في كل شيء: الضحك والصراخ والبكاء، وضعف لغة الجسد وغياب مهارات التواصل

5- الحمقى لا يتراجعون
يؤكد الكاتب ثلاث سمات جوهرية: الحمقى لا يموتون (يتناسلون وينقلون عدواهم)، لا يتغيرون (يرون في التمسك بالرأي الخاطئ علامةَ قوة)، ولا يستسلمون (يكررون الأسلوب الفاشل عشر مرات بلا تعلّم). يستشهد بأمثلة طريفة منها: من أصرّ أن صدام حسين حيّ، ومن رفض تصديق أن العثمانيين أتراك وليسوا عربًا.

6- الغباء السياسي
يوسّع الكاتب دائرة التحليل ليشمل البيئة الإعلامية والسياسية العامة، محذراً من: الفضائيات "الفضائحيات" التي تُغيب العقل وتُحرّك العواطف، ومنصات التواصل الاجتماعي التي تُغذّي "فقاعات الوهم"، أحزاب تستغل الدين لتأجير عقول الناس والاستشهاد بمقتطفات من ابن الجوزي وأبي الفرج الأبشيهي وأقوال معاصرين

ثالثاً: استراتيجيات التعامل مع الأحمق
يقترح الكاتب مساراً تدريجياً من تجربته الشخصية يمر بـ: الغضب، القسوة، محاولة الإبعاد، فهم الشخصية، محاولة الإصلاح (بنجاحات جزئية ثم نكوص)، التنائي النفسي، وصولاً إلى الحزن العميم. ومن الحلول العملية: التجاهل وحُسن الاستماع دون مقاطعة، والصدمة المباغتة بالنقض المباشر في حالات بعينها، واللطف وتجنب جرح المشاعر إذ أن إحساس الأحمق بالإهانة متضخم، ومعرفة متى تشتبك ومتى تنسحب حسب طبيعة الموقف والحضور والهدف
خلاصة الكتاب: "إن كنت تريد لعقلك أن يستقر فلا تُخمد حرائق التفكير فيه أبداً... ولا تركن لأي وسيلة دون أن تقلّبها وتمحّصها وتنخّلها، ثم تعرضها على ثوابت الدين والقيم والوطنية الصحيحة فتحكم، وإلا فأنت تُدخل نفسك طواعيةً في ربقة الجهلة والمخدوعين أو الحمقى والأغبياء الموكوسين!"
الكتاب في جوهره دفاع عن العقل في مواجهة زمن يتباهى فيه الغباء بنفسه، وهو في الوقت ذاته وثيقة إنسانية حميمة يُعترف فيها بثمن الاحتكاك اليومي بالشخصيات الصعبة على الروح والعقل معاً.