المؤتمر الثامن
انشغل الفلسطينيون بما يكفي ويزيد بالمؤتمر الثامن لحركة فتح، الذي يبدأ أعماله هذا اليوم.
وكأي حدثٍ يتصل بفتح، لابد وأن ينشغل الناس به، نظراً لمكانة الحركة التاريخية في الحياة الفلسطينية، منذ انطلاق الثورة المعاصرة التي أسستها ورعتها وقادت إنجازاتها الهامّة على مدى عقود.
وبالمقابل تحمّلت فتح مسؤولية الخسارات الفادحة، التي مُنيت بها الحالة الفلسطينية على صعيد أكبر عددٍ من الشهداء والجرحى بالقياس لعدد السكان، وأكبر عددٍ من الأسرى والمعتقلين دون تجاهل الخسارات المؤثرة للساحات خصوصاً اللصيقة منها بأرض الوطن.
المؤتمر الثامن الذي تأخر انعقاده طويلاً، في الوقت الذي كانت فيه فتح بأمسّ الحاجة لمراجعة أوضاعها وأوضاع قضيتها وشعبها، إلا أن هذا المؤتمر أثار العديد من التساؤلات حول قدراته على إنجاز المهام المفترضة أن تؤديها الحركة الكبرى، وهي المسيطرة على السلطة الوطنية ومنظمة التحرير، وهي المنوط بها استعادة وحدة الوطن والشعب، بعد انقسامٍ كارثيٍ طويل الأمد، فقدت فيه فتح والمنظمة والسلطة السيطرة على جزءٍ هام من أجزاء الوطن، منذ الانقلاب المأساوي الذي قامت به حماس في غزة.
ويؤخذ على المؤتمر الثامن إغراقه بعددٍ ضخمٍ من الأعضاء، مع استبعاد عددٍ أضخم ممن يروا في أنفسهم الجدارة في أن يكونوا أعضاء فاعلين في مؤتمر حركتهم، وإذا ما تمّ تجاوز عملية الإغراق هذه على اعتبار أنه مؤتمرٌ تمثيلي ولا يستطيع احتواء كلّ من يرى في نفسه أهلاً للمشاركة فيه، فإن جدول أعمال المؤتمر الذي أُعلن على الملأ قبل الانعقاد بوقتٍ قصير، لن تجد بنوده المساحة الكافية لنقاشٍ جديٍ يقوم به الأعضاء، بفعل ضيق الوقت وكثافة العدد، وهذا ما سُجّل في غير صالح المؤتمر.
وإذا ما تمّ تجاوز هذه المسألة على أهميتها القصوى، فإن تركيز الاهتمام بنسبةٍ تكاد تكون مطلقة على انتخابات المجلس الثوري واللجنة المركزية، يُضعف من إيقاع المؤتمر وقدراته، بما يدعو للتساؤل هل إضافة بعض الجدد للجنة المركزية والمجلس الثوري يستحق كل هذا الجهد والتحشيد الصاخب وكأن الحالة الفلسطينية لا ينقصها غير هذا.
على كل حال يبدو من قبيل التسرّع إصدار أحكامٍ إيجابيةٍ أو سلبية على هذا المؤتمر ذلك أن الوقت المناسب لذلك، هو الأسابيع القليلة التي تلي أيام انعقاده الثلاثة، ساعتها سيتسنّى ليس للفتحاويين فقط ولا للفلسطينيين وحدهم بل للعالم كله تقويم نتائجه، والحكم على قدرات مخرجاته على وقف التدهور وتحقيق انجازاتٍ يقتنع الجمهور بها وأهمها وأكثرها إلحاحاً إخراج القضية الفلسطينية وشعبها من المآزق، وهذا هو الدور المنطقي لأي قيادة، لأي قضيةٍ، ولأي شعب.