6 أشهر صعبة… هل نملك خطة إنقاذ اقتصادي حقيقية؟
عندما قال رئيس الحكومة إننا مقبلون على "6 أشهر صعبة"، لم يكن يقول شيئاً جديداً، لكنه كان يقول الحقيقة بصراحة. والحقيقة اليوم أن الاقتصاد الفلسطيني لا يواجه مجرد أزمة سيولة مؤقتة، بل معادلة معقدة تجمع بين أموال مقاصة متعثرة، ودين عام يقترب من 47 مليار شيكل، وارتفاع حاد في أسعار المحروقات، وتقلبات في أسعار الصرف، ورواتب حكومية تُدفع بنسب جزئية لا تغطي الحد الأدنى من الاحتياجات. وفوق كل هذا، هناك سؤال يشغل المواطن أكثر من أي شيء آخر: هل لدينا خطة حقيقية لعبور هذه الأزمة؟
الواقع الاقتصادي الفلسطيني يكشف هشاشة تراكمت على مدار سنوات طويلة. فقد تشكل الاقتصاد حول دورة تعتمد بصورة كبيرة على المقاصة والإنفاق الحكومي والاستهلاك المحلي، دون بناء قاعدة إنتاجية قوية قادرة على امتصاص الصدمات السياسية والمالية المتكررة. وعندما تتعثر المقاصة، لا تتوقف الأزمة عند حدود وزارة المالية، بل تنتقل مباشرة إلى الأسواق، والبنوك، والقطاع الخاص، والأسر الفلسطينية التي باتت تعيش في حالة إدارة بقاء من شهر إلى آخر.
والخطر الحقيقي اليوم أن الضغوط لا تأتي من اتجاه واحد.
فأسعار السولار تجاوزت 8 شواكل للتر في بعض الفترات، مدفوعة بالتوترات الإقليمية وارتفاع أسعار النفط عالميًا، فيما انعكس ارتفاع البنزين مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع الأساسية. وفي اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد، فإن أي ارتفاع في الوقود يتحول تلقائيًا إلى موجة تضخم يشعر بها المواطن في كل تفاصيل حياته اليومية.
وفي الوقت ذاته، شهد الدولار والدينار تقلبات واضحة أمام الشيكل خلال الفترات الأخيرة، بينما بقيت أسعار السلع مرتفعة في السوق المحلي. وهذا يعني أن المواطن خسر جزءًا من قدرته الشرائية حتى في الفترات التي تحسن فيها الشيكل نسبيًا، نتيجة ما يعرف اقتصاديًا بـ”جمود الأسعار”، حيث ترتفع الأسعار سريعًا مع الأزمات لكنها لا تنخفض بالسرعة نفسها عند تحسن بعض المؤشرات.
في الأسواق اليوم، لا تحتاج إلى تقارير اقتصادية معقدة لترى الأزمة.
حركة الشراء أضعف، الطلب على السلع غير الأساسية تراجع، والمواطن بات يعيد ترتيب أولوياته وفق قاعدة واحدة: كيف أنهي الشهر بأقل الخسائر الممكنة؟
الموظف الحكومي يتقاضى أحيانًا بين 40% و50% من راتبه فقط. الأسرة تقترض لسد النقص، والتاجر يقلل من طلبياته، والبنك يراقب الديون المتأخرة وهي ترتفع تدريجيًا. لكن الأزمة لا تتعلق فقط بنحو 150 ألف موظف حكومي، بل تمتد إلى ملايين الفلسطينيين الذين تتأثر حياتهم مباشرة بأي تراجع في السيولة وحركة السوق.
ومع اقتراب المواسم والأعياد، يصبح المشهد أكثر حساسية. كثير من العائلات الفلسطينية لم تعد تسأل عن تحسين مستوى الحياة، بل عن القدرة على تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار اللحوم والمواد الغذائية وتراجع القدرة الشرائية بصورة غير مسبوقة.
لكن هناك جزءًا من الأزمة أكثر خطورة من كل ما سبق.
فالقلق اليوم لا يرتبط فقط باستمرار الاقتطاعات أو تأخير تحويل أموال المقاصة، بل أيضًا بتصاعد أحاديث سياسية حول إمكانية إعادة توجيه جزء من هذه الأموال أو ربطها بترتيبات إدارية وتمويلية جديدة مرتبطة بإعادة إعمار غزة أو بأجسام سياسية يجري الحديث عنها في المرحلة المقبلة.
وهنا تكمن المخاوف الاقتصادية الحقيقية.
فالمقاصة ليست مجرد بند مالي للحكومة، بل العمود الفقري للتدفقات النقدية في الاقتصاد الفلسطيني. وأي تغيير في آلية توزيعها أو توظيفها سياسيًا سيؤثر مباشرة على قدرة السلطة الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها في الضفة الغربية، وسيضاعف الضغوط على الرواتب، والبنوك، والقطاع الخاص، والاستقرار الاجتماعي بشكل عام.
إذاً، ما الحل؟
الحقيقة أن المرحلة الحالية تتطلب أكثر من مجرد إدارة شهرية للأزمة. نحن بحاجة إلى خطة إنقاذ اقتصادي وطنية واضحة، تشارك فيها الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات المالية، وتقوم على الشفافية والواقعية وإعادة ترتيب الأولويات.
أولى خطوات هذه الخطة يجب أن تكون المصارحة الكاملة مع المواطنين، لأن الثقة عنصر أساسي في استقرار أي اقتصاد. كما أن إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام أصبحت ضرورة لا تحتمل التأجيل، عبر توجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر ارتباطًا بصمود المجتمع، مثل الصحة، والتعليم، والأمن الغذائي، والطاقة، مع تقليص أي نفقات غير ضرورية.
وفي المقابل، لا يمكن الاستمرار في اقتصاد يعتمد على الاستهلاك والقروض والتحويلات فقط. المرحلة الحالية تتطلب تحفيز القطاعات الإنتاجية بصورة عاجلة، خاصة الزراعة، والصناعات الغذائية، والطاقة البديلة، والمشاريع الصغيرة القادرة على خلق فرص عمل وتحريك عجلة السوق محليًا.
كما أن الاقتصاد الرقمي لم يعد رفاهية أو خيارًا ثانويًا. ففي عالم يقوده الذكاء الاصطناعي والعمل عن بعد، تستطيع فلسطين خلق فرص حقيقية للشباب في البرمجة والخدمات الرقمية والعمل الحر، بعيدًا عن القيود التقليدية المرتبطة بالحركة والمعابر.
أما ملف الدين العام، فقد أصبح يحتاج إلى معالجة أكثر جرأة وواقعية. فالوصول إلى قرابة 47 مليار شيكل يعني أن أي تأخير في الإصلاحات سيزيد كلفة المعالجة مستقبلًا. ولذلك، فإن إعادة هيكلة الالتزامات المالية وتخفيف كلفة الاقتراض أصبحت خطوات ضرورية وليست رفاهية اقتصادية.
ورغم كل هذه الضغوط، ما زال الفلسطيني يمتلك قدرة استثنائية على الصمود والتكيف. لكن الصمود وحده لا يكفي إلى الأبد. فالشعوب لا تستطيع بناء مستقبلها على إدارة الأزمات فقط، بل تحتاج إلى رؤية اقتصادية واضحة تعيد الثقة والأمل والإنتاج.
الأشهر الستة القادمة ستكون صعبة فعلًا، وربما تحمل ضغوطًا اقتصادية وسياسية أكبر مما نتوقع. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ارتفاع أسعار النفط أو تقلبات الدولار أو أزمة المقاصة، بل في أن تدخل فلسطين مرحلة اقتصادية تُدار فيها الأزمات بمسكنات مؤقتة، بينما يتآكل تدريجيًا ما تبقى من قدرة الاقتصاد على الصمود والإنتاج والاستقرار.
فلسطين اليوم لا تحتاج فقط إلى إدارة أزمة مالية، بل إلى مشروع إنقاذ اقتصادي وطني شامل، يجمع بين الشفافية والتخطيط، وبين إدارة الأزمة الحالية وبناء أساس اقتصادي أكثر قوة واستدامة للمستقبل.
فالاقتصادات لا تنهار فقط عندما تنفد الأموال… بل عندما تغيب الرؤية.
بقلم: د. سعيد صبري
مستشار اقتصادي دولي وعضو مجلس إدارة التحول الرقمي الدولي