مؤتمر "فتح": بقاء القديم السياسي على قدمه

2026-05-19 18:29:56

مال مؤتمر "فتح" إلى إعادة ترتيب التوازنات الداخلية أكثر من إحداث تحول سياسي أو فكري حقيقي، فلم يقدّم حلاً للمأزق، وإنما كشفه وعمّقه أكثر

ويتجلى هذا بصورة خاصة في ما يجري في قطاع غزّة، الذي يعيش نكبة جديدة وحرباً عدوانيةً مستمرّة حتى في أثناء الهدنة، وسط محاولات فرض وصاية استعمارية عليه تسمّى زوراً مجلس سلام، بغطاء فلسطيني وعربي ودولي. وفي الضفة الغربية، يتسارع الضم الفعلي وفرض السيادة الإسرائيلية، في ظل صمت دولي وعربي، واعتماد استراتيجية فلسطينية عقيمة تقوم على البقاء والانتظار وسحب الذرائع والنأي بالنفس، رغم أنها لم تحقق أهدافها. وفي الداخل الفلسطيني، تتغوّل الجريمة المنظّمة وتتعمّق السياسات العنصرية.

لذلك، لا مغزى كبيراً لسقوط رموزٍ من الحرس القديم، أو لعدم ترشح بعض القيادات التاريخية، إذا لم يُطرح بديل قادر على تجاوز المأزق من خلال بلورة رؤية شاملة واستراتيجيات جديدة وقيادة ترتقي إلى مستوى اللحظة التاريخية، فلا قيمة لأشخاصٍ جدد مع أهمية البعد النضالي والرمزي الذي يعكس استمرارا لبعض ما كانت تشكله "فتح"، لكن من دون رؤية وأداء جديدين، ومن دون تمكينهم فعليّاً من القيادة بتوفير المتطلبات والمهارات المطلوبة لقيادات المرحلة الجديدة التي تشكل أخطر مرحلة تمر بها القضية الفلسطينية.

صحيح أن عقد المؤتمر بحد ذاته ليس أمراً بسيطاً في الظروف السياسية والأمنية والداخلية المعقدة، كما أنه أظهر استمرار قدرة "فتح" على الحفاظ على تماسكها النسبي، رغم حالة التراجع التي تعاني منها منذ توقيع اتفاق أوسلو، الذي دشّن مسيرة تحوّلها من حركة تحرر وطني إلى حزب سلطة تحت الاحتلال. وقد وصلت هذه المسيرة إلى مرحلة إدارة السكان تحت الاحتلال، من دون إرادة و رؤية أو مقاومة مناسبة للمرحلة الحالية أو خطة عملية لإنهاء الاحتلال وتجسيد استقلال دولة فلسطين، أو حتى تبني خيار بديل.

لقد أصبح بقاء السلطة، وبقاء القيادة تحديداً، الهدف الفعلي، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً. وهذا رغم التباينات والخلافات الداخلية المرشّحة للتفاقم بعد المؤتمر، خصوصاً في ظل ما جرى منذ المؤتمر السابق من تهميش للحركة، واختيار اللجنة التحضيرية (ضمت كثيرين من المرشّحين أنفسهم) أعضاء المؤتمر الذين سينتخبونها لاحقاً، بما يمسّ بمصداقية المؤتمر وشرعيته.

وعكس المؤتمر استمرار مركزية فتح داخل النظام السياسي الفلسطيني، وأنها لا تزال الإطار الأكثر تأثيراً داخل السلطة ومنظّمة التحرير، مع تغير واضح في موازين القوى الداخلية. فمثلاً، فاز ماجد فرج في المرتبة الثانية بعد الأسير القائد مروان البرغوثي، وفي المرتبة الثالثة جبريل الرجوب والرابعة حسين الشيخ نائب الرئيس، والخامسة ليلى غانم والسادسة محمود العالول نائب رئيس الحركة. وهذه النتائج زائداً سقوط أعضاء، منهم رئيس المجلس الوطني وأمين سر اللجنة التنفيذية وعضو فيها، ما قد يعيد النظر في تمثيلهم ومواقعهم داخل "فتح" والسلطة والمنظّمة، ولم يفز أي مرشح من خارج فلسطين رغم أن نصف الشعب الفلسطيني في الشتات، ما يعكس سطوة مراكز القوة والنفوذ والمال والأمن داخل السلطة وجهازها البيروقراطي على الحركة. كذلك لوحظ اختلال واضح في تمثيل المحافظات، حيث نالت رام الله الحصّة الأكبر، تلتها نابلس، بينما حصلت الخليل، وهي أكبر المحافظات، على تمثيل محدود، وكذلك الحال بالنسبة إلى قطاع غزّة قياساً بحجمه ودوره.

لكن “النجاح التنظيمي” لا يكفي للحكم على نجاح المؤتمر سياسيّاً أو وطنيّاً. فالأزمة الأساسية التي تواجه الحركة ليست أزمة انتخابات داخلية فقط، بل أزمة مشروع وطني ودور ووظيفة، وأزمة منظّمة مغيبة وسلطة على حافة الانهيار.

ولذلك السؤال الحقيقي: لماذا لم يُجر المؤتمر مراجعة سياسية عميقة للتجربة السابقة؟ والجواب، لأن المراجعة الجادّة ستقود إلى تغيير المسار، وهذا يعني مواجهة مع الاحتلال، وما تتطلبه من أثمان، مع أن بالإمكان وضروري انتهاج مقاومة بتكلفة معقولة. ولماذا لم يطرح رؤية جديدة تتناسب مع التحولات الجارية رغم الطريق المسدود الذي وصلنا إليه، تعطي الوحدة الوطنية على الهدف أو الأهداف الممكن الاتفاق عليها، وكيفية تحقيقها الأهمية التي تستحقها، ولا تفسير لعدم الاستجابة لذلك إلا تغليب المصالح الفردية على المصلحة العامة؟ وهو السبب الذي يفسّر عدم وجود نية فعلية لتحقيق أوسع قدر من المشاركة السياسية من خلال تغيير آلية اتخاذ القرار داخل فتح، وبالتالي داخل السلطة والمنظّمة، حيث تتركز السلطة والقرار عمليّاً بيد الرئيس وعدد محدود من المساعدين، بعيداً عن المؤسّسات، ومن دون تغيير آلية صنع القرار فلا تقدّم يمكن أن يحدث؟

التزاحم الكبير على عضوية المؤتمر والترشّح لعضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري لا يدل على الحيوية وإنما على فقدان الثقة في القيادة وانخفاض المعايير