بيت أمر.. السلم المجتمعي وصوت العقل وقت الأزمات
تناول برنامج "قضايا في المواطنة"، الذي يبث عبر شبكة "رايــة" الإعلامية وتنتجه مؤسسة (REFORM)، في حلقة جديدة، ملفاً مهما حمل عنوان: "بيت أمر.. السلم المجتمعي وصوت العقل وقت الأزمات".
وسلطت الحلقة الضوء على الواقع الميداني والإنساني المعقد في بلدة بيت أمر بمحافظة الخليل، والتحديات الجسيمة التي تعصف بالسلم الأهلي فيها منذ عام 2022.
واستضاف البرنامج للتعقيب على الأزمة كلاً من: د. إسراء زلوم مديرة دائرة السلم الأهلي في محافظة الخليل، وفريد مرة مقرر الهيئة الوطنية للسلم الأهلي، والمهندس عدي عجوة رئيس بلدية بيت أمر، والذين قدموا قراءة شاملة لأبعاد الأزمة وخارطة طريق للخروج منها.
د. إسراء زلوم: الوضع في بيت أمر صعب والتوترات قوضت الحياة اليومية وحق التعليم
شخّصت الدكتورة إسراء زلوم، مديرة دائرة السلم الأهلي في محافظة الخليل، الواقع الميداني والإنساني في بلدة بيت أمر، واصفةً إياه بالصعب للغاية نتيجة التوترات المستمرة والتصاعدية التي بدأت منذ عام 2022.
وأوضحت أن انعكاسات هذه الأزمة طالت كافة مناحي الحياة اليومية للمواطنين، مسببة حالة مزمنة من الخوف والقلق جراء عمليات إطلاق النار المتكررة التي قيدت حركة الأهالي، ومنعت أصحاب المحال التجارية من ممارسة أعمالهم وفتح منشآتهم بشكل منتظم، فضلاً عن الآثار الإنسانية والاجتماعية العميقة التي خلّفتها الأحداث المؤسفة وأسفرت عن مقتل سبعة أشخاص من عائلات البلدة.
وأشارت زلوم إلى أن هذه الظروف المشحونة تركت ندوباً نفسية واجتماعية غائرة لدى الطلبة والمعلمين على حد سواء، مما أثر سلباً على تركيزهم واستقرارهم الذهني، وخلق بيئة غير مواتية للعملية التعليمية.
ودعت المؤسسات المحلية والمجتمعية إلى تحمل مسؤولياتها لحماية "حق التعليم" وتأمين بيئة تعليمية مستقرة، معتبرة أن إنقاذ مستقبل طلبة الثانوية العامة هو مسؤولية جماعية ترتبط بمستقبل المجتمع ككل.
وعن الدور الذي تضطلع به محافظة الخليل، أكدت زلوم أن الدائرة عملت على مدار السنوات الأربع الماضية على دعم لغات الحوار والاصلاح، ونبذ الخطابات التحريضية، وتشكيل لجان متابعة رسمية وأهلية لاحتواء الأزمة وتقريب وجهات النظر.

وعن أبرز التحديات التي تمنع جهودهم، بيّنت زلوم أن العائق الأساسي يتمثل في عدم قدرة الأجهزة الأمنية الفلسطينية على الدخول الفوري والمستمر إلى بيت أمر؛ نظراً لوقوع البلدة في مناطق تتطلب تنسيقاً أمنياً مسبقاً ومعقداً مع الجانب الإسرائيلي، وهو تنسيق غالباً ما يكون محدوداً بساعات محددة ولا يغطي كافة الأحياء، مما يحول دون فرض الأمن والتدخل السريع لحظة وقوع الاشتباكات.
وفي ختام حديثها، رأت زلوم أن إعادة بناء الثقة تتطلب تضافر جهود كافة المكونات عبر التواصل المباشر والاستماع لمخاوف المواطنين، مشددة على الدور المحوري والقيادي للشباب والنساء في نشر ثقافة التسامح؛ كونهما يمثلان طاقة مجتمعية قادرة على التأثير الإيجابي، وتبريد الأزمات، وتحييد الخدمات الطبية والإنسانية عن أي صراعات عائلية.
فريد مرة: بيت أمر نموذج للاحتقان العام.. ونحتاج مؤتمراً وطنياً ومجلساً أعلى للسلم الأهلي
من جانبه، قدّم فريد مرة، مقرر الهيئة الوطنية للسلم الأهلي، قراءة هيكلية وأكثر شمولية للأزمة، معتبراً أن ما يحدث في بلدة بيت أمر ليس معزولاً، إنما هو "مظهر من مظاهر الاحتقان الداخلي الفلسطيني" الذي يهدد السلم الأهلي في عموم الوطن.
وشبّه مرة حالة السلم الأهلي في الواقع الفلسطيني بـ "المياه التي تغلي، والتي خرجت إحدى فقاعاتها المتفجرة في بيت أمر"، محذراً من أن البلدة تمثل نموذجاً للاحتقان الذي قد ينفجر في أي موقع آخر ما لم يتم اتخاذ خطوات وقائية جذرية.
وأرجع مرة جذور هذا الاحتقان إلى جملة من العوامل المتداخلة، أبرزها: الوضع الاقتصادي المتردي جداً، وضغوطات الاحتلال المستمرة والاعتقالات، والانقسام والتشتت السياسي، وحالات التحشيد العاطفي والتحريض الداخلي، إلى جانب ضعف وهشاشة تطبيق القانون، والدور الخبيث الذي يلعبه الاحتلال عبر عملائه لضرب النسيج المجتمعي في ظل معركة الإبادة الشاملة.
وانتقد مرة الأداء الرسمي لبعض المؤسسات، ضارباً المثل بوزارة التربية والتعليم التي قال إنها تساهم أحياناً في رفع حدة الاحتقان بدلاً من تبريده، مستشهداً بقضية المعلم "يوسف جويحان" الذي لم يعود إلى عمله رغم حصوله على قرار قانوني يقضي بذلك.
وحول سبل الخروج من هذه الشرنقة، أكد مرة أن الحل العشائري أو القانوني أو السياسي المنفرد أثبت عجزه بسبب "التشتت وعدم التكامل"، داعياً إلى صياغة "خطط وقائية مجتمعية شاملة" تشارك فيها الجامعات، والحركات الطلابية، والمجتمع المدني، والقوى السياسية.

وطرح مرة مبادرة عملية تتلخص في ضرورة عقد "مؤتمر اجتماعي وطني شامل" يفضي إلى إقرار "الميثاق الوطني للسلم الأهلي" وتشكيل "مجلس وطني للسلم الأهلي" يمثل مرجعية أخلاقية، واجتماعية، وإنسانية موثوقة ذات ثقل معنوي ومادي تساند سيادة القانون.
وفي الملف التعليمي، لفت مرة إلى أن الأبحاث تشير إلى أن الفاقد التعليمي العام لدى الطلاب وصل إلى 80%، معتبراً أن التعليم في بيت أمر بات شبه منعدم.
وأكد أن الإجراءات الرسمية للوزارة غير كافية، داعيا إلى إطلاق مبادرات "التعليم الشعبي" كخطوة عملية لتعويض الطلاب.
كما شدد في الوقت ذاته على ضرورة إدخال حصص تعليمية مخصصة للسلم الأهلي في المدارس نظراً لخطورة المرحلة.
واختتم بالتأكيد على أن البعد الشعبي التكاملي - الذي يمثل العمود الفقري الرديف للقانون - قد تضرر بفعل ثقافة الانكفاء الفردي ("اللهم نفسي")، وهو ما يتطلب معالجة وتوعية فورية لإحياء روح التضامن وحماية المجتمع لنفسه.
م. عدي عجوة: نراهن على الوعي الداخلي والجهود جارية لتطويق الخلاف من جذوره
بدوره، استعرض المهندس عدي عجوة، رئيس بلدية بيت أمر، الأبعاد التاريخية والميدانية للأزمة داخل البلدة، مشيراً إلى أن بيت أمر كانت تاريخياً تُعرف بأمنها، وأمانها، ونسيجها الاجتماعي المتين القائم على المصاهرة والنسب بين كافة العائلات، إلى أن اندلعت الشرارة الأولى للأزمة في عام 2022.
وأوضح عجوة أن جهود راب الصدع ومحاولات التتهدئة عبر اللجان العشائرية والأمنية لم تتوقف منذ ذلك الحين؛ حيث أصابت بعض المحاولات النجاح، بينما تعثرت أخرى نتيجة مطالبات الطرفين بشروط وشخصيات معينة ذات أبعاد عشائرية وأمنية معقدة.
ووصف عجوة مستوى الأمان ورضا المواطنين في البلدة حالياً بـ "السيئ جداً" نتيجة الأحداث الأخيرة التي تخللها إطلاق نار عشوائي ومكثف في الليل والنهار، مما بث الرعب في نفوس الأطفال وكبار السن وعطّل انتظام الحياة اليومية.
وبيّن رئيس البلدية أن الواقع التعليمي للمرحلة الأساسية يسير بانتظام، في حين أن دوام المدارس الثانوية معطل تماماً منذ الأحداث الأخيرة.
وكشف عن وجود ترتيبات جارية ومكثفة مع وزارة التربية والتعليم لعزل وفصل الطلاب في مدارس معينة لضمان تقديم امتحانات الثانوية العامة (التوجيهي) في موعدها القريب.

أما على صعيد الخدمات الطبية والإنسانية، فقد أقرّ عجوة بوجود تحديين هائلين؛ الأول داخلي ويتمثل في خطورة وصعوبة وصول سيارات الإسعاف والإطفاء إلى أماكن الاشتباكات والضرر، مما يدفع المواطنين للمخاطرة بنقل المصابين بسياراتهم الخاصة والاستبسال الجماعي لإخماد الحرائق. والتحدي الثاني خارجي فرضه الاحتلال عبر إغلاق سبعة مداخل حيوية للبلدة بالسواتر الترابية والمكعبات الإسمنتية - تم فتح ثلاثة منها مؤخراً - مما يعيق حركة آليات الطوارئ ويزيد من معاناة الأهالي.
وفيما يتعلق بالحلول المتاحة في ظل المعيقات التي تواجه الأمن الرسمي، أكد عجوة أن التواجد الأمني الدائم لفرض سيادة القانون يظل المطلب الأساسي للأهالي، ولكن في حال تعذره، فإن البلدية تراهن بشكل قطعي على وعي المواطنين، وثقتهم بالمؤسسات المحلية، ورجال العشائر الذين يمثلون "صمام الأمان" لبيت أمر.
ولفت إلى أن هناك لجنة سلم أهلي مختصة بمشاركة أمنية نشطة تعمل في هذه الأيام على صياغة خطوط عريضة لحل الخلاف من جذوره وتبريد النفوس.
وأكد م. عجوة أن "مرحلة التعافي" ستستغرق وقتاً، ومشدداً على أن الخطوة العاجلة والوحيدة لوقف هذا الجرح النازف هي حل الخلاف جذرياً ووضع "ميثاق شرف" ملزم للبلد بأكملها.
تجدر الإشارة إلى أن "قضايا في المواطنة" هو برنامج اجتماعي تُنتجه مؤسسة "REFORM" ويبث عبر شبكة راية الإعلامية؛ للإسهام في الوصول إلى نظام حكم إدماجي تعددي مستجيب لاحتياجات المواطنين ومستند إلى قيم المواطنة.
شاهد الحلقة كاملة عبر يوتيوب راية اضغط هنا وعبر فيسبوك اضغط هنا