نقطة ضوء: مذكرات راسب في انتخابات المجلسِ الثوري

2026-05-21 18:02:28

دخلت المؤتمر الثامن لحركة فتح حاملا على كتفيّ سنواتٍ طويلة من العمل الطلابي والنقابي والمجتمعي، وبعض ما تبقى من ذاكرة السجون والميدان والجامعة، وظننت، بسذاجة مفرطة، أن التاريخ التنظيمي ما زال عملة قابلة للتداول داخل حركة ولدت أصلا من تعب الناس وأحلامهم وتضحياتهم، وما زالت تحفظ شيئا من الاحترام لأولئك الذين صنعوا بدايات النضال الوطني والأكاديمي والاجتماعي، وخاصة في الأرض المحتلة، ساحةِ المعركة الرئيسة.

واكتشفت سريعا أن السوق تغير، وأن البضاعة المطلوبة اليوم مختلفة تماما. فالأزمنة التي كانت تُفتح فيها الأبواب أمام أصحاب التجارب والهموم الثقيلة تراجعت كثيرا أمام خرائط النفوذ والتحالفات والاصطفافات الدقيقة. شعرت كأنني دخلت معرضا حديثا للسيارات بحصانٍ عربي أصيل؛ جميل ومثير للإعجاب، لكنه لم يعد مناسبا لسرعة هذا الزمان ومعاييره الجديدة.

ووجدت أن المؤتمر ليس مؤتمرًا واحداً، بل عدة مؤتمرات متداخلة: مؤتمر للرئاسة، ومؤتمر للأقاليم، ومؤتمر للمتقاعدين، ومؤتمر للشبيبة، ومؤتمر للمرأة، ومؤتمر للأسرى، ومؤتمر للوزراء والسفراء والوكلاء والمدراء والمحافظين، ومؤتمر لرجال الأعمال. وعرفتُ أنني بحاجة إلى “فيزا تنظيمية” للدخول إلى معظمها.

اجيال متعاقبة لا تعرف بعضها بعضًا، وخبرات مختلفة، وعوالم متعددة منغلقة على ذاتها ومصالحها وأولوياتها. تحالفات جاهزة، وكانتونات متجانسة، وجغرافيا متشابكة، واصطفافات منظمة، وروافع سيادية متوفرة.

أبعدت هذه الأفكار المجنونة والسلبية، وقلت في نفسي: هذا مؤتمر سيبحث عن الجذور والمؤسسين وأصحاب التجارب والهمم والمناضلين، وسيناقش القضايا الكبرى التي تواجه شعبنا الصامد: “النضال الجماهيري، المشروع الوطني، الاستيطان، الحصار المالي، الفقر، البطالة، نهاية مشروع السلام، علاقة فتح بالسلطة، رواتب الشهداء والجرحى والأسرى، أوضاع قطاع غزة الذي يصارع الموت والجوع والدمار والتهجير والطرد، والضفة الغربية التي تحاصرها المستوطنات والمستوطنون والحواجز والبوابات والطرق الالتفافية، ومعها الموت والخوف والرعب”.

بدت مدينة رام الله كأنها موقع بورصة انتخابية متنقلة: دفاتر، وقوائم، وهمسات، ومصافحات طويلة، وعبارات تتكرر أكثر من النشيد الوطني: “أعطيني صوتك بعطيك صوتي”، و”احمل لي فلان بحملك فلان”، و”من سيفوز من المرشحين؟ وما هي حظوظ فلان وعلان؟”، و”إلى أي مركز قوى وتحالف يقف هذا وذاك؟”. وتطوع العديد من الحضور بتقديم قوائم مقترحة بأسماء الذين سيفوزون في الانتخابات الفتحاوية قبل حدوثها.

ادركت متأخرا أنني ترشحت لعضوية المجلس الثوري لحركة فتح بطريقة بدائية جدا، وأقود حملة انتخابية أكل الدهر عليها وشرب! كنتُ أزور الناس وأتحدث عن الفكر والتثقيف والوعي والتنظيم والإصلاح الداخلي، وخصوصية ساحة المعركة داخل الأرض المحتلة، وضرورة التمايز بين حركة فتح والسلطة الوطنية، ووجوب التفرغ للعمل التنظيمي، واستحداث مفوضيات للأسرى والاستيطان والانتخابات. بينما كان الآخرون يتحركون وفق علوم أكثر تطورا: الهندسة الانتخابية، والذكاء التحالفي، وإدارة الأصوات الدقيقة! نظر الكثير إليّ بابتسامات خافتة وتعابير خجولة، كأنني رجل خرج للتو من أرشيفات عام 1965.

اكتشفتُ أنني من مدرسة الرومانسيين الفتحاويين الذين سيندثرون قريبًا جدًا، ومن العشاق المخضرمين المخلصين. كنتُ أبحث، والقليل معي ، عن “فتح الثورة”، بينما بحث الكثير من المعازيم عن “فتح السلطة والحكم والمنابر التنظيمية”، وعن “مواقع فريق الحكم والقرار في المحطات الزمنية القادمة”.

ومع ذلك، لا أشعر بالندم الكامل؛ فالخسارة احيانا تمنحك زاوية رؤية ممتازة. الواقفون فوق المنصة لا يسمعون دائمًا ما يقوله الناس في الأسفل، أما الجالسون على المقاعد فلديهم وقت طويل للتأمل والتفكير والكتابة أيضًا .

خرجتُ من المؤتمر بقناعة بسيطة ومؤلمة: أزمة “فتح” ليست أزمة أفراد فقط، بل أزمة تحول كامل؛ من حركة تشبه المخيم والشارع والجامعة والسجن، إلى مؤسسة تشبه كثيرا أي حزب سلطة عربي تقليدي، محاطة بأدوات الحماية والإنقاذ.

عكست هذه الانتخابات قوة موازين القوى والنفوذ داخل حركة فتح أكثر مما عكست رغبات القواعد والهياكل التنظيمية المشاركة. بدا الأمر كأنه سيناريو جهز مسبقا، ثم جرى توزيع الأدوار على الحضور لاحقًا، كل حسب موقعه من التحالفات والكانتونات الجغرافية والنضالية المختلفة.

بدت قوائم الفائزين والفائزات في اللجنة المركزية والمجلس الثوري كأنها وصفة لذيذة: ملعقتان من الجغرافيا والتاريخ، ورشة من المناطق والولاءات، وقليل من العائلات والسلالات والزعامات والأقارب والمعارف، أو أولادهم وأحفادهم، مع إضافات محسوبة لمراكز النفوذ والنضال والمشاكل،  ورفاق المناصب الحالية والسابقة . ثم جرى تحريك المكونات جميعها جيدًا حتى تجانست “الطبخة الانتخابية” بالكامل.

أما المناضلون القدامى وأصحاب التاريخ والكفاح، فكان حضورهم يشبه حضور اللغة العربية الفصحى في مجموعات “فيسبوك” و”واتساب” و”تلغرام” و”إنستغرام”: حضور محترم من حيث الشكل، لكنه يبدو غريبًا وثقيلًا في فضاءٍ اعتاد السرعة والاختصار والأبجديات المبتورة.

حظا  أوفر للفقراء والمهمشين والمثقفين والمفكرين وأبناء السبيل، خصوصا أولئك الذين يعيشون خارج العاصمة السياسية المؤقتة رام الله، ولا يملكون “إقامة دائمة” داخل خرائط النفوذ والعلاقات والممرات الخلفية.

شكرًا لجهابذة التخطيط والتنفيذ والإبداع؛ نجحت مهمتكم. قتلتم في دواخلنا البطولة والانتماء والمبادئ والقيم النضالية الفتحاوية، ودفعتمونا إلى التقاعد التنظيمي المبكر. وزرعتم في نفوسنا الإحباط واليأس والقنوط.

يقول البعض لنا: “كل من قبل المشاركة في اللعبة، عليه القبول بنتائجها”. ونقول: “صحيح، إذا مُنح المشاركون العدالة نفسها، وطبقت عليهم القوانين ذاتها، ولم يتم إنزال الفائزين بمناطيد النفوذ والجغرافيا والاستثناءات والولاءات والمعادلات !”.

وعلى الرغم من كل هذا، ستبقى قلة قليلة وفية لفتح التي كانت تعرف أسماء الفقراء قبل أسماء الوزراء، وتفتح أبوابها للمطاردين لا لأصحاب المواكب، وتقيس الرجال بتاريخهم لا بعدد المرافقين حولهم، ووفية لتجربة الأرض المحتلة بكامل تفاصيلها وتجاربها، من الألف إلى الياء.

هذه ليست مذكرات راسبٍ في انتخابات المجلس الثوري فقط، بل مذكرات رجل اكتشف متأخرا أن حركته تغيرت، بينما هو ما يزال يحفظ نشيدها وقسمها القديم كاملا …الفاتحة يرحمكم الله وإيانا جميعًا.