القدس تحت الاحتلال: قراءة خاصة في الواقع القانوني من خلال تجربة مركز القدس لحقوق الإنسان

2026-05-22 16:50:30

في صباح أحد الأيام، بينما كان المواطن المقدسي مؤيد برقان نائماً مع أفراد أسرته، فوجئ باقتحام الكلاب البوليسية لشقته في بناية "الوعد" ببلدة سلوان، وأُبلغ بأن البناية ستُهدم فوراً دونما إمهال. هذه القصة، التي رواها مؤيد لاحقاً، ليست حالة معزولة بل نموذج لواقع يومي يعيشه آلاف المقدسيين تحت منظومة قانونية إسرائيلية معقدة، لا تختلف عن تلك التي كانت سائدة في جنوب أفريقيا أيام التمييز العنصري،ـ كما يشير إلى ذلك الاستاذ رامي صالح، عضو الهيئة الإدارية لمركز القدس لحقوق الإنسان، في مقابلته التي أجريناها معه.

لقاء خاص جمعني مع الأستاذ رامي صالح، مواطن مقدسي نشيط حاصل على درجة الماجستير في حقوق الإنسان من جامعة بيرزيت، ويعمل حالياً على إتمام درجة الماجستير في الدراسات المقدسية، وهو يمتلك خبرة تمتد لنحو 18 عاماً في مجال حقوق الإنسان، ويدير فرع القدس للمركز، حيث يعمل مع فريق متخصص يتألف من 11 موظفاً في الفرع وحده، بينهم أربعة محامين بدوام كامل، واثنان من المساعدين القانونيين، ومساعد إداري، وباحث ميداني، ومسؤول مناصرة.

في هذا المقال، سنحاول تفكيك الوضع القانوني في القدس كما يراه الاستاذ صالح، مدعوماً بمصادر أكاديمية ودولية، اجتهدت بجمعها لنقدم للمهتمين صورة شاملة عن التحديات القانونية التي تواجه المقدسيين تحديداً، وآليات المواجهة القانونية والمؤسساتية الممكنة.

نبذة عن مركز القدس لحقوق الإنسان: جذور تاريخية ورؤية مؤسساتية

تأسس مركز القدس لحقوق الإنسان في العام 1974 على يد لجنة الصداقة الأمريكية للخدمات – الكويكرز (American Friends Service Committee)، وانطلق عمله من البلدة القديمة في القدس بهدف تقديم التمثيل القانوني للمقدسيين. وكانت إحدى أولى قضايا المركز البارزة التي تناولها في العام 1975 قضية خميس أيوب التوتنجي، الذي صدر بحقه أمر إخلاء بهدف هدم منزله في البلدة القديمة، وقد حظيت القضية آنذاك بتغطية إعلامية واسعة في صحيفة نيويورك تايمز، في مؤشر مبكر على وعي المؤسسة بضرورة الربط بين العمل القانوني (Legal Aid) والحشد والمناصرة (Advocacy) .

خلال مرحلة الانتفاضة الأولى، توسع عمل المركز ليشمل تقديم التمثيل القانوني للمعتقلين الفلسطينيين في مختلف مناطق الضفة الغربية، في ظل تزايد أعداد المعتقلين بشكل كبير عن ومع انطلاق المرحلة الانتقالية (بعد توقيع اتفاقية أوسلو) وبدء بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية، اتخذ المركز قراراً استراتيجياً جريئاً: تحويل العمل من كونه مشروعاً تابعاً للكويكرز إلى مؤسسة فلسطينية مستقلة وفي العام 1995 تأسست الجمعية الفلسطينية حيث سُجل المركز قانونياً في عام 1998 القوانين المحلية بموجب تحت اسم "مركز القدس لحقوق الإنسان"، ليتحول بذلك إلى مؤسسة أهلية غير حكومية وغير ربحية تعمل تحت مظلة تشمل جمعية عمومية ومجلس إدارة وطاقماً إدارياً متخصصاً.

يتوزع عمل المركز اليوم في القدس، رام الله ، نابلس، سلفيت، وقلقيلية، إضافة إلى وجود ميداني حديث في الخليل ويعد هذا الانتشار الجغرافي مؤشراً على توجه المركز نحو تغطية الاحتياجات القانونية في مختلف مناطق الضفة الغربية، لا سيما في المناطق التي تعاني من انتهاكات الاحتلال المتصاعدة.

في القدس، حيث تتركز نسبة 95% من القضايا في التمثيل أمام المحاكم الإسرائيلية، يفرض المركز شرطاً أساسياً على محاميه: أن يكونوا حاصلين على رخصة مزاولة المهنة أمام المحاكم الإسرائيلية وعضوية في نقابة المحامين الإسرائيلية، ليتمكنوا من الترافع والتواصل الرسمي مع المؤسسات الرسمية المختلفة، كوزارة الداخلية الإسرائيلية، مؤسسة التأمين الوطني، وبلدية الاحتلال.

الهيكل القانوني الإسرائيلي في القدس: ثلاث مؤسسات تحت المجهر

يركز صالح في حديثه على ثلاث مؤسسات إسرائيلية رئيسية تمثل محاور التدخل القانوني للمركز:

الأولى هي وزارة الداخلية الإسرائيلية، حيث تتركز الملفات المتعلقة بحقوق الإقامة، سحب الهوية، لم الشمل، الاقامة، السكن وتسجيل المواليد. ويدل هذا التصنيف على أن قضية الهوية بالنسبة للمقدسيين لا تقل خطورة عن غيرها من الانتهاكات، فسحب الإقامة يعني اقتلاع الفرد من مدينته ومنظومة حقوقه الأساسية.

ثانياً: مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلية، التي توصف بأنها "المصباح الأحمر" الذي يطلق إنذاراً لوزارة الداخلية عندما تشتبه بعدم وجود المواطن في مدينة القدس. فبمجرد إصدار المؤسسة أي إشعار سلبي، تبدأ وزارة الداخلية إجراءات إعلان سحب الهوية مثلاً او اي اجراءات احادية الجانب من طرف الحكومة الاسرائيلية . هذا التداخل بين مؤسسات الاحتلال يجعل المواطن المقدسي في حالة مراقبة دائمة وترقب دائم، حيث يتحول حصوله على حقوقه الاقتصادية إلى تهديد لحقوقه الإنسانية الأساسية في حالة وجود اي اشكالية قانونية .

ثالثاً: بلدية الاحتلال الإسرائيلية التي تتصدر ملفات هدم المنازل ورسوم الأرنونا فوفقاً للمعطيات الرسمية، منذ بداية العام 2025 قامت قوات الاحتلال بهدم أكثر من 464 مبنى وهيكلاً في محافظة القدس، منها 229 عملية هدم داخل المدينة نفسها. وترى وزارة شؤون القدس الفلسطينية في هذا الهدم "مثالاً صارخاً على التمييز العنصري وسياسات الفصل العنصري المنهجية التي تنفذها سلطات الاحتلال"، وتؤكد أن بلدية الاحتلال تفرض رسوماً باهظة للحصول على تراخيص البناء، إلى جانب عوائق لا يمكن تجاوزها تمنع الفلسطينيين فعلياً من بناء منازلهم.

التمويل والشراكات الدولية: استراتيجية تقليل الاعتماد على جهة واحدة

لا يعتبر المركز علاقته مع الجهات المانحة مجرد علاقة "مُموِّل ومُموَّل"، بل يفضِّل صالح وصفها بالشراكة (Partnership) . وتشمل قائمة الشركاء الدوليين للمركز: حكومات إقليمية إسبانية (مثل فالنسيا والباسك)، والوكالة الإسبانية للتعاون الدولي (AECID)، وزارة الخارجية الأيرلندية، ووزارة الخارجية النرويجية، والخارجية النيوزيلاندية، ومنظمات ألمانية كمنظمة "خبز من أجل العالم" ومؤسسة هاينريش بول، والمجلس النرويجي للاجئين، الاتحاد الأوروبي، وبرامج تابعة للأمم المتحدة.

ما يميز استراتيجية المركز التمويلية هو قاعدة داخلية صارمة تنص على ألا تتجاوز مساهمة أي جهة مانحة نسبة 20% من الموازنة العامة للمركز. وهذه القاعدة، وِفق صالح، مُصممّة لتحقيق هدفين رئيسيين: أولهما ضمان الاستقلالية في اتخاذ القرارات الاستراتيجية، وثانيهما تقليل المخاطر المالية في حال انسحاب أي من الشركاء. وقد تجسدت أهمية هذه السياسة بوضوح بعد أحداث أكتوبر 2023، حينما أوقف أحد الشركاء (وهو جهة سويسرية) دعمه لأسباب سياسية، لكن تأثيره على المركز كان محدوداً لأن مساهمته لم تتجاوز 8-9% من الموازنة.

أسرلة القدس: سياسات تهدف إلى تقطيع النسيج الاجتماعي

يرى صالح أن التدهور في وضع القدس لم يقتصر على الجانب السياسي أو القانوني، بل امتد ليشمل استهداف النسيج الاجتماعي والديني للمدينة. وهو يلخص ذلك بالقول: "علاقة القدس ليست فقط معنا كمقدسيين، بل هي علاقة مع المحيط والنسيج الاجتماعي". ومن مظاهر هذه السياسات:

· إغلاق المسجد الأقصى ومنع وصول المصلين الفلسطينيين إليه، لا سيما خلال شهر رمضان.

· تقييد وصول رجال الدين المسيحيين إلى كنيسة القيامة، ومنع الفلسطينيين المسيحيين من الوصول إلى القدس خلال الأعياد.

· التوسع الاستيطاني في المناطق المحيطة بالقدس، ولا سيما في منطقة E1 الواقعة بين القدس الشرقية ورام الله وبيت لحم، مما يقوض الاستمرارية الجغرافية للوجود الفلسطيني.

· سياسات هدم وإخلاء ممنهجة في أحياء مثل سلوان (البطن الهوى، حي البستان)، حيث أوضح تقرير للأمم المتحدة أن المحكمة العليا الإسرائيلية حكمت ضد دعاوى سكان حي بطن الهوى لصالح المنظمة الاستيطانية “عطيرت كوهانيم”، وتسارعت عمليات الإخلاء منذ ذلك الحين، حيث تم تسليم أوامر إخلاء نهائية لـ32 أسرة إضافية في الحي، مما يجعل تهجير 250 فلسطينياً وشيكاً.

قوانين تكرّس التمييز العنصري: قانون إعدام الأسرى واحتجاز الجثامين

يتوقف صالح عند نموذجين قانونيين يعكسان مسار التطرف المتصاعد في التشريع الإسرائيلي:

الأول: قانون إعدام الأسرى، الذي تم إقراره مؤخراً في الكنيست. وفق صالح، فإن القانون لا يسري على الأسرى الحاليين بل على من سيُعتقل مستقبلاً، لكنه شكل صدمة للمجتمع الحقوقي الفلسطيني. وقدمت مؤسسة “عدالة” (مركز عدالة لحقوق الإنسان في الداخل الفلسطيني) إلى جانب عدد من أعضاء الكنيست العرب (أحمد الطيبي، أيمن عودة، عايدة توما سليمان) التماساً أمام المحكمة العليا الإسرائيلية، استند في جوهره إلى أن القانون يشكل تمييزاً عنصرياً لأنه يستهدف الفلسطينيين فقط. وقد أصدرت المحكمة أمراً احترازياً بتجميد تنفيذ القانون إلى حين النظر في الالتماس، لكن صالح يشير إلى أن هذا التجميد مؤقت، ويعكس "منظومة قضائية تسعى إلى شرعنة الانتهاكات لا إلى منعها".

الثاني: سياسة احتجاز الجثامين، التي يعتبرها صالح من أكثر الملفات حساسية، حيث تتصدر فيه جهود المركز كـ "المؤسسة الفلسطينية الوحيدة التي تتعامل مع سياسة الاحتجاز وتوثيقها". ويذكر صالح أن المركز تقدم بأكثر من التماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية حول عدم قانونية احتجاز الجثامين. وقد صدر قرار أولي اعتبر الاحتجاز غير قانوني، لكن الحكومة الإسرائيلية طلبت جلسة موسعة أمام سبعة قضاة، وعادت المحكمة وسمحت للجيش باحتجاز الجثامين، بل وبررت ذلك باستخدامها كورقة مساومة تفاوضية (Bargaining Chips). ومنذ أكتوبر 2023، تضاعف عدد الجثامين المحتجزة بشكل كبير، حيث وثقت الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء حتى نهاية العام 2025 احتجاز 735 شهيداً. ويرى صالح أن هذه السياسة تمثل "انتهاكاً لكرامة الإنسان الميت، وتستخدم كورقة عقاب جماعي".

الحالة المقدسية النموذجية: ثلاثة شهداء في ثلاثة أيام

لتقريب الصورة بشكل أوضح، يقدم صالح شهادة حية: في أسبوع واحد فقط، تحديداً في الفترة من يوم الأربعاء إلى الجمعة، استشهد ثلاثة مواطنين مقدسيين في ظروف متفرقة. الأول الشهيد قاسم شقيرات من جبل المكبر، حيث اقتحمت قوات الاحتلال منزل العائلة وفتحت النار على شاب أمام والدته من مسافة لا تزيد عن أربعة أمتار، والثاني الشهيد محمد فرج الذي استشهد وأصيب والده وأخوه برصاص المستوطنين في أرض عائلته بمنطقة جنات، والثالث الشهيد سفيان أبو ليل من منطقة (التلة الفرنسية)، الذي تم إعدامه بعد أن كان قد اشترى طعاماً من أحد المحلات في منطقة قلنديا. هذه الحالات الثلاث، كما يوضح صالح، تمثل نموذجاً للهجمة الاستيطانية الشرسة على المجتمع المقدسي، وكل منها تطلب تدخلاً قانونياً مكثفاً من المركز.

تعدد الجهات وتقاطع الصلاحيات: التحدي الأكبر

بالنسبة للفلسطينيين في القدس، فإن التداخل بين صلاحيات الاحتلال المتعددة قد يجعل القضية الواحدة تتطلب التعامل مع أربع جهات مختلفة على الأقل. يوضح صالح ذلك من خلال قضية الجدار العازل، قائلاً: "كيف لمواطن عادي أن يعرف الجهة المسؤولة عن جدار الفصل؟ هل يعرف الفرق بين الجيش، وزارة الدفاع، المستشار القضائي للحكومة، والشرطة الإسرائيلية؟" هذا التعقيد المؤسساتي يشكل إرباكاً متعمداً يزيد من صعوبة الوصول إلى العدالة.

الإسكان في القدس: دراسة قيد الإعداد

في ختام مقابلته، كشف صالح عن دراسة جديدة يعمل عليها المركز حالياً، يتمثل في إعداد خارطة طريق لموضوع الإسكان داخل مدينة القدس. فهذه الدراسة التي سوف تمتد على نحو 40-50 صفحة تهدف إلى وضع إطار قانوني وهندسي يمكن للمؤسسات الفلسطينية المختلفة (من وزارة القدس، مجلس الإسكان الفلسطيني، نقابة المهندسين، لجان الأحياء، المكاتب الهندسية، جمعيات الإسكان) اعتمادها كمرجع للبناء في القدس، في ظل سياسات التضييق الإسرائيلية على التراخيص. ويرى صالح أن هذه الدراسة، حال إنجازها، قد تشكل حجر زاوية في صمود المقدسي.

خلاصة: القانون كأداة لشراء الوقت

ربما يكون أكثر ما يميز رؤية صالح لواقع العمل الحقوقي في القدس هو تقييمه المتواضع لإمكانيات المركز نفسه، على الرغم من تاريخه الطويل وخبراته المتراكمة. يعترف صالح بأن حجم الهجمة الإسرائيلية كبير إلى درجة تجعل أي مؤسسة حقوقية (سواء كانت فلسطينية أو غيرها) عاجزة عن مجابهتها بشكل فردي وهذا ما دفع المركز في العام 2019 إلى تأسيس تجمع المؤسسات الحقوقية المقدسي (Jerusalem Human Rights Consortium)، الذي يضم إلى جانب المركز مؤسسات مثل المركز الكاثوليكي لحقوق الإنسان – السانت إيف، ومركز التخطيط البديل (من الداخل الفلسطيني)، ومركز المرأة للإرشاد القانوني، والشبكة اليورمتوسطية لحقوق الإنسان (EuroMed Human Rights Network).

في النهاية، يخلص صالح إلى أن الدور الرئيسي للمؤسسات الحقوقية في القدس اليوم هو شراء الوقت فالقانون، في ظل هذه المنظومة، لم يعد أداة لتحقيق العدالة بقدر ما هو وسيلة لتأخير تنفيذ القرارات التعسفية ومنح المواطن المقدسي فرصة إضافية للبقاء في مدينته.

"بعد كل ليل فجر، وبعد كل محنة فرج"، يقول صالح، "لن نستسلم أبداً".

@highlight@@المراجع

1. مقابلة خاصة مع الأستاذ رامي صالح، عضو الهيئة الإدارية لمركز القدس لحقوق الإنسان.

2. Jerusalem Center for Human Rights – نبذة تعريفية عن المؤسسة.

3. مركز القدس لحقوق الإنسان – صفحة ويكيبيديا.

4. مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: التهجير القسري يقوض الاستمرارية الجغرافية في القدس الشرقية، يناير 2026.

5. تقرير أمين عام الأمم المتحدة عن المستوطنات الإسرائيلية (A/80/399)، سبتمبر 2025.

6. وزارة شؤون القدس الفلسطينية: هدم بناية “الوعد” السكنية في رأس العامود، ديسمبر 2025.

7. وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا): وزارة شؤون القدس تطالب بالتدخل الدولي لوقف هدم منازل الفلسطينيين في القدس المحتلة، ديسمبر 2025.

8. تقرير المشهد الحقوقي لفلسطين، العدد 324، منظمة القانون من أجل فلسطين، مارس 2026.

9. الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء: إحصاءات احتجاز الجثامين، 2025.

10. موقع الجزيرة نت: "القدس.. الاحتلال يهجر مائة فلسطيني بهدم بناية سكنية"، 22 ديسمبر 2025.