التغيير من الداخل حمايةٌ للحركة لا خروجٌ عليها

2026-05-22 20:26:56

في كل الحركات الوطنية الكبرى، كان النقد الداخلي والمطالبة بالإصلاح جزءاً من عوامل القوة لا من مظاهر الضعف. فالحركات التي تخشى المراجعة تتحول مع الزمن إلى هياكل جامدة، أما الحركات الحية فتملك شجاعة الاعتراف بالخلل والسعي إلى تصحيحه حفاظاً على تاريخها ومستقبلها. ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن ضرورة تعديل النظام الداخلي وآليات عقد المؤتمرات الحركية في حركة فتح لا يجب أن يُفهم كحالة تمرد أو خروج، بل كجزء من الحرص الحقيقي على الحركة وصورتها ووحدتها.

لقد أثبتت التجارب أن بقاء آليات التحضير للمؤتمرات بيد دوائر محدودة التأثير يفتح الباب أمام شعور واسع لدى الكوادر بأن النتائج تُرسم مسبقاً، أو على الأقل يتم توجيهها بما يخدم توازنات معينة. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن أخطر ما يواجه أي تنظيم ليس الخسارة في انتخابات داخلية، بل فقدان الثقة بعدالة العملية نفسها.

والمفارقة المؤلمة، والتي تدفع الكثيرين إلى ترديد عبارة “شر البلية ما يضحك”، أن يصبح المنتخب قادراً بصورة أو بأخرى على التأثير في اختيار ناخبيه، بينما الأصل في أي عملية ديمقراطية أن تكون القاعدة التنظيمية هي صاحبة القرار الحر والمستقل. لذلك فإن مراجعة هذه الآليات لم تعد ترفاً تنظيمياً، بل ضرورة لحماية مصداقية الحركة وتعزيز وحدتها الداخلية.

ومع ذلك، فإن الدعوة إلى الإصلاح يجب أن تبقى من داخل البيت الفتحاوي، بروح المسؤولية والانتماء والالتزام، بعيداً عن التشهير أو الإساءة أو تحويل الخلافات التنظيمية إلى حالة عدائية. فـ حركة فتح ليست مجرد إطار تنظيمي، بل تاريخ طويل من التضحيات والشهداء والأسرى والنضال الوطني، ومن واجب كل أبنائها الحفاظ عليها قوية وموحدة وقادرة على تجديد نفسها.

إن التغيير الحقيقي لا يكون بهدم المؤسسات، بل بإصلاحها. ولا يكون بالانسحاب أو اليأس، بل بالصبر والعمل والتراكم والنضال الديمقراطي الداخلي. فالحركات العظيمة لا تتطور إلا عندما يجرؤ أبناؤها على قول الحقيقة بإخلاص، ويتمسكون في الوقت ذاته بوحدتها وهيبتها ومسؤوليتها الوطنية.

ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس تعميق الانقسام، بل فتح باب مراجعة جادة للنظام الداخلي، وتوسيع المشاركة، وتعزيز الشفافية، وضمان تكافؤ الفرص أمام الجميع، حتى يشعر كل كادر فتحاوي أن صوته مؤثر، وأن تاريخه ونضاله وكفاءته هي المعايير الحقيقية للتقدم داخل الحركة.
ان اخطر ما في النظام الداخلي لفتح هو السماح للجنة التحضيريه للمؤتمر الحركي العام بالترشح للانتخابات للمجلس الثوري واللجنة المركزيه ما يؤدي الى حالة الشك الدائمة بالنتائج حيث ان هذه اللجنه هي التي تقر الاعضاء والاتفاق احيانا بشكل مباشر او غير مباشر على المحاصصة بين الاعضاء المتنفذين في هذه اللجنة.. يجب تعديل هذه المادة والتأكيد على عدم السماح لاعضاء اللجنه التحضيرية من الترشح ضمانا للعدالة والشفافية والنزاهه وضمان مبدأ تكافؤ الفرص .
لقد اثرت هذه النقطه وبجرأه في المؤتمر الثامن ومع ان الفكره لاقت تصفيقا حارا وارادة الجميع الا ان رئيس المؤتمر لم يخضعها للتصويت لا بل اتحد بعض اعضاء اللجنة المركزية في مواجهة الفكرة ..
إن حماية الحركة لا تعني الصمت على الخلل، كما أن المطالبة بالإصلاح لا تعني التخلي عن الانتماء. وبين هذين المبدأين تبقى المسؤولية الوطنية والتنظيمية قائمة: أن نبقى أوفياء لـ حركة فتح، وأن نعمل على تطويرها من الداخل، لأنها كانت وستبقى عنوان المشروع الوطني الفلسطيني وحاملة رايته عبر كل المراحل.