أهيَ استقالةٌ من وطنٍ أم مغادرةُ وظيفة؟
في التجارب الوطنية الكبرى، لا تُقاس قيمة الإنسان بما ناله من موقع، بل بما بقي فيه من إيمان عندما تتبدل المواقع وتتغير النتائج. فالحركات التي وُلدت من رحم المعاناة، وسارت فوق دروب الشهداء والأسرى والمنفيين، لم تكن يوماً مؤسساتٍ وظيفية تُقاس فيها العلاقة بمنطق الربح والخسارة، ولا ساحاتٍ مؤقتة يُغادرها المرء عند أول خيبة.
ومن هنا، يبدو السؤال مؤلماً ومشروعاً في آنٍ واحد:
هل يمكن أن يتحول الانتماء الوطني إلى حالة مرتبطة "بالمقعد"؟
وهل يُعقل أن ينسحب الإنسان من فكرةٍ حملها شعبٌ كامل، فقط لأن الرياح لم تجرِ كما اشتهى هذا "العابر"؟
إنّ الحركات الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها حركة فتح، لم تستمر لأنها كانت طريقاً مضموناً للمكاسب، بل لأنها استطاعت عبر عقود طويلة أن تبقى فكرةً حيّة في وجدان الناس، رغم الهزائم والانقسامات والحصار والتحولات القاسية. فالفكرة التي تعيش فقط في لحظة الانتصار، ليست فكرة راسخة، بل حالة عابرة تنطفئ مع أول اختبار.
الاختلاف حق، والنقد ضرورة، والشعور بالإحباط أمر مفهوم في أي تجربة بشرية أو تنظيمية، لكن العمق الحقيقي للانتماء يظهر في القدرة على الفصل بين “الفكرة” و”النتيجة”. لأن النتائج السياسية والتنظيمية تتغير، أما المشروع الوطني فلا يجوز أن يُختزل في اسمٍ أو موقعٍ أو دورة انتخابية.
لقد مرّت على الحركة الوطنية الفلسطينية محطات أكثر قسوة من أي (خسارة فردية)؛ مرت عليها سنوات المنافي، والاجتياحات، والانشقاقات، والحروب، واغتيال القادة، ومع ذلك بقيت الفكرة قائمة، لأن من حملوها آمنوا أن الأوطان لا تُدار بمنطق المزاج اللحظي، بل بمنطق التراكم والصبر التاريخي.
وحين ينسحب البعض تحت وطأة الخيبة، فإن المسألة لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها إدانة لأشخاص أو تشكيكاً بالنوايا، بل ربما كتعبٍ إنساني أو أزمة في فهم العلاقة مع التنظيم والفكرة. فليس كل من غضب عدواً، وليس كل من ابتعد فاقدا للانتماء. غير أن النضج الوطني يقتضي أن ندرك بأن الانتماء الحقيقي لا يُختبر في ساعات التصفيق، بل في لحظات المرارة والصمت والأسئلة الثقيلة.
إنّ أخطر ما يمكن أن تواجهه الحركات الوطنية، ليس الخلاف الداخلي بحد ذاته، بل تحوّل الانتماء من “قناعة تاريخية” إلى “عقد منفعة مؤقت”. فعندما تصبح العلاقة مع التنظيم مرتبطة بما يقدمه للفرد، لا بما يقدمه الفرد للفكرة، تبدأ الروح الجماعية بالتآكل تدريجيًا.
لهذا، فإن الحاجة اليوم ليست إلى تبادل الاتهامات أو صناعة الخصومات، بل إلى إعادة الاعتبار لمعنى الانتماء نفسه؛ أن يشعر الإنسان بأن وجوده داخل الحركة جزء من مسؤوليته تجاه وطنه وتاريخه، لا مجرد محطة لتحقيق الذات أو انتظار المكافأة.
فالأفكار الكبرى لا تبقى لأن الجميع ربحوا داخلها، بل لأنها استطاعت أن تُقنع أبناءها أن الطريق إلى الوطن أطول من أي منصب، وأبقى من أي نتيجة، وأن الذين صنعوا التاريخ فعلوا ذلك لأنهم آمنوا بالفكرة الام حتى في أكثر لحظاتها قسوة.