فتح المتجددة: بين الإرث وأدوات العصر
انعقاد المؤتمر الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) بحد ذاته يحمل دلالة سياسية وتنظيمية مهمة، لأنه يعكس إصرار الحركة على العودة إلى الشرعية الداخلية وصناديق الاقتراع رغم كل الظروف الاستثنائية التي يعيشها الشعب الفلسطيني. قرار الرئيس محمود عباس الاحتكام للإرادة التنظيمية في هذه المرحلة يمثل قرارًا قياديًا شجاعًا ورسالة بأن فتح ما زالت تؤمن بالتجدد والمراجعة وإنتاج القيادة التمثيلية لكل زمان ومكان وهذا ما أعاد الأمل للشارع الفلسطيني.
اليوم، يمر الشعب الفلسطيني بمرحلة تاريخية شديدة القسوة، من حرب إبادة وتجويع ودمار في غزة، إلى سياسات تهجير واستيطان واعتقالات واعدامات وتمييز وعنصرية في الضفة الغربية والقدس، وسط محاولات مستمرة لتكريس الانقسام وإضعاف الهوية الوطنية الجامعة. ومن هنا، اصبحت مسؤولية المؤتمر أكبر من مجرد انتخاب هيئات قيادية؛ إنها مسؤولية إعادة بناء الثقة الوطنية، وصياغة خطاب سياسي قادر على حماية المشروع الوطني الفلسطيني في لحظة مصيرية.
وتبقى غزة في قلب هذا المشروع الوطني، ليس باعتبارها ملفًا إنسانيًا أو ساحة حرب فقط، بل باعتبارها جزءًا أصيلًا وأساسيًا من فلسطين سياسيًا وجغرافيًا ووطنيًا. إن أي محاولة للتعامل مع غزة باعتبارها كيانًا منفصلًا أو قضية معزولة تمثل خطرًا مباشرًا على وحدة الشعب الفلسطيني ومستقبل قضيته الوطنية. وغزة، بما قدمته من صمود وتضحيات، ليست هامشًا في الرواية الفلسطينية، بل إحدى ركائزها. ولهذا، فإن الحفاظ على وحدة غزة والضفة والقدس والشتات لم يعد مجرد شعار سياسي، بل ضرورة وجودية لحماية الهوية الوطنية الفلسطينية من التفتيت وهذا ما عكسه المؤتمر من خلال الساحات.
لقد كانت قوة حركة فتح تاريخيًا في كونها حركة تحرر وطني جامعة، وليست إطارًا أيديولوجيًا مغلقًا. فهي الحركة التي استطاعت أن تجمع الفلسطينيين بمختلف توجهاتهم ومواقعهم الجغرافية ضمن مشروع وطني واحد. واليوم، يحتاج هذا الدور إلى تجديد حقيقي، لا عبر تغيير الثوابت الوطنية، بل عبر تطوير أدوات العمل السياسي والتنظيمي بما يتناسب مع طبيعة العالم المعاصر.
فالتحدي الحقيقي لم يعد فقط في الحفاظ على الخطاب الوطني التقليدي، بل في امتلاك أدوات جديدة للتأثير والفعل السياسي. العالم تغيّر، وأشكال الصراع تغيّرت، والمعركة الفلسطينية لم تعد فقط على الأرض، بل أيضًا في الإعلام الرقمي، والدبلوماسية العامة، والذكاء الاصطناعي، والرأي العام العالمي، والقانون الدولي، والاقتصاد، ومنصات التكنولوجيا الحديثة بأيدي الشباب والمرأة وأصحاب الاختصاص. لذلك، فإن فتح المتجددة مطالبة بإظهار قوة ناعمة وبناء خطاب حديث وأدوات عصرية قادرة على مخاطبة الأجيال الجديدة والعالم بلغة القرن الحادي والعشرين.
وفي هذا السياق، فإن مشاركة الشباب والمرأة والأسرى والشتات الفلسطيني داخل المؤتمر تحمل رسائل سياسية عميقة تتجاوز البعد التنظيمي. فحضور هذه المكونات يؤكد أن المشروع الوطني الفلسطيني ما زال حيًا وموحدًا رغم الجغرافيا والانقسامات والظروف القاسية.
كما أن الحضور الرمزي والسياسي للأسرى يمثل موقفًا وطنيًا واضحًا يرفض سياسات الاحتلال القائمة على الاعتقال والعزل وكسر الإرادة الفلسطينية، ويؤكد أن قضية الحرية ستبقى جوهر النضال الفلسطيني.
أما الحضور الفلسطيني من مختلف الساحات، من غزة والضفة الغربية والقدس، إلى لبنان ومصر ومخيمات الشتات، فيعكس حقيقة الوحدة الوطنية الفلسطينية رغم كل محاولات التفكيك والعزل. هذه الساحات ليست مجرد امتدادات تنظيمية، بل تعبير حي عن وحدة المصير والهوية والرواية الفلسطينية.
ومن هنا، فإن “فتح المتجددة” اعادت تعريف علاقتها بالجغرافيا الفلسطينية؛ ليس بمنطق المحاصصة أو الانقسام المناطقي، بل بمنطق التخصص والكفاءة وتكامل الأدوات. فالقضية الفلسطينية اليوم تحتاج إلى السياسي والدبلوماسي، وإلى الخبير القانوني والإعلامي والاقتصادي والتكنولوجي، بقدر حاجتها إلى القيادات التنظيمية التقليدية. لم تعد قوة الحركة تُقاس فقط بانتشارها الجغرافي، بل بقدرتها على تحويل التنوع الفلسطيني إلى مصدر قوة استراتيجية قادرة على إنتاج التأثير والفعل السياسي الحديث.
وفي المقابل، من الضروري أن يبقى المؤتمر مساحة للحوار الوطني المسؤول، لا ساحة للصراعات الشخصية أو التنافس الفردي. فحجم التحديات التي تواجه الفلسطينيين يتطلب خطابًا وحدويًا يرتقي فوق الحسابات الضيقة، ويعيد التركيز على الأولويات الوطنية الكبرى: حماية المشروع الوطني، وإنهاء الانقسام، واستعادة ثقة الشارع الفلسطيني بالمؤسسات السياسية وهذا يتطلب قيادة مسؤولة تتجاوز المنصب وتحترم المسائلة وتحتكم للأدوار حسب التخصص.
فتح اليوم تقدم الامل بشخصيتها القانونية لاستعادة زمام المبادرة للقيادة داخل منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وتعزيز حضورها السياسي والإقليمي والدولي بلغة حقوقية ودبلوماسية حديثة قادرة على مخاطبة العالم والدفاع عن الحقوق الفلسطينية في مختلف المحافل.
نجاح المؤتمر الثامن لا يعني امتلاك عصا سحرية ستقلب الواقع ١٨٠ درجة ولن يُقاس فقط بانتخاب قيادة جديدة، بل بقدرته على توظيف الأدوات واحترام التخصص وقبول المحاسبة كإجراء تنظيمي استراتيجي للحفاظ على دور الحركة الطليعي والطبيعي في قيادة المشروع الوطني الجامع بين ارث التاريخ وأدوات العصر وصون جوهر فتح كونها حركة تحرر وطني تأسست على الحرية والكرامة والاستقلال.
وفي النهاية، تبقى فتح، بكل ما تمثله من إرث وتاريخ وتضحيات, حركة للأوفياء من قيادات الماضي لأحرار الواقع والمستقبل حتى انهاء الاحتلال وتحقيق طموحات شعب تليق به الحرية.