هل يمكن للدولة أن تنتحر؟
حين تحدث ابن خلدون عن الدولة، بدا وكأنه يتحدث عن كائن حيّ كامل. تولد الدولة صغيرة وضعيفة، ثم تكبر وتشتد، تدخل مرحلة القوة والسيطرة، وبعد ذلك تبدأ بالوهن حتى تصل إلى الموت والاندثار. كانت الدولة عند ابن خلدون ابنة العصبية؛ عصبية القبيلة أو السلالة أو الجماعة التي توحد الناس حولها، فإذا ضعفت تلك العصبية ضعفت الدولة وسقطت. هكذا رأى العالم في عصره، وهكذا فهم حركة التاريخ في العصور الوسطى.
لكن العالم الذي رآه ابن خلدون انتهى فعلياً. بعد الثورة الصناعية، ثم الثورة التكنولوجية، لم تعد الدولة مجرد امتداد لقبيلة أو عائلة أو حاكم فرد. صار قيام الدول وانهيارها أكثر تعقيداً بكثير. دول كثيرة نشأت بسبب اتفاق دولي، أو نتيجة استعمار، أو لتسوية حرب، أو حتى لصناعة نزاع جديد. هناك دول قامت بشكل ارتجالي تقريباً، ودول جرى رسم حدودها على الطاولة أكثر مما رُسمت في التاريخ أو المجتمع. لم تعد الدولة دائماً ذلك الكائن العضوي المتماسك الذي وصفه ابن خلدون.
حتى فكرة اندثار الدولة تغيّرت. الدولة اليوم لا تموت دائماً كما كانت تموت قديماً، بل قد تندمج في كيانات أكبر، أو تتحول تدريجياً، أو تفقد معناها دون أن تختفي حدودها. هناك دول قائمة على الورق فقط، ودول لا تملك إطاراً جامعاً حقيقياً لشعوبها، ودول تعيش داخل أزمات دائمة حتى يبدو بقاؤها مؤقتاً أو هشاً.
لكن السؤال الأخطر اليوم ليس كيف تموت الدول، بل: هل يمكن للدولة أن تنتحر؟
هل يمكن أن تصل دولة ما إلى لحظة تقرر فيها نخبها، بشكل مباشر أو غير مباشر، أن هذه الدولة لم يعد لها مبرر؟ أو أن تستمر في سياسات تعرف أنها تقودها إلى التفكك والانهيار؟ ربما لا يكون الانتحار هنا قراراً معلناً، بل عناداً أعمى ضد المنطق وضد حركة العالم. دولة تدخل في صراعات داخلية لا تستطيع السيطرة عليها، أو تتحول خلافاتها الداخلية إلى ما هو أكبر من فكرة الدولة نفسها. دولة تهزم أخلاقياً قبل أن تُهزم عسكرياً، وتفقد قدرتها على إقناع مواطنيها بأنها تستحق البقاء.
قد تنتحر الدولة حين تصبح غير قادرة على التكيف مع العالم الجديد. حين تواجه الثورات العلمية والتكنولوجية والسياسية بعقل قديم، أو حين تصر على إدارة مجتمع حديث بأدوات متآكلة. وربما تنتحر أيضاً عندما تتحول مؤسساتها إلى عبء على الناس بدل أن تكون إطاراً لحمايتهم وتنظيم حياتهم.
التاريخ أعطانا أشكالاً لا نهائية من الدول، لكنه ربما لم يعطنا بعد نموذج “الدولة المنتحرة” بشكل واضح. ومع ذلك، العالم يتغير بسرعة هائلة، والثورات القادمة قد تكون أعنف من الثورة الصناعية والثورة التكنولوجية معاً. لذلك يبدو السؤال مطروحاً بجدية: هل سنشهد في المستقبل دولاً لا تسقط فقط، بل تختار، بوعي أو بغباء، أن تسير بنفسها نحو نهايتها؟