استراتيجية تنظيمية موحدة تسبق الخطاب الاعلامي الموحد
عجت وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرا ، منها ما هو مؤيد ومنها معارض ومنها مهاجم ، ومنها من اعتبرها فرصة قد لا تتكررللنيل من الاخ بسام زكارنة ، عضو المجلس الثوري لحركة فتح ، المشهود له بوطنيته ومواقفه النضالية والثورية والنقابية الثابتة تجاه ابناء الحركة على وجه الخصوص وابناء شعبه على وجه العموم ، والذي كان قد دعا الى خطاب فتحاوي موحد ، يُعبر عن موقف حركة فتح وعدم ترك الساحة للاجتهادات الفردية ، دون المساس باي من الكوادر الحركية ، وحرصا على عدم تشويه حركة فتح .
لن أخوض في معمعان الحملة التي استهدفت الاخ بسام زكارنة ، فمن خلال معرفتي وعلاقتي بهذا الرجل ، ادرك مدى حرصه على حركة فتح ، واعتبره الصخرة التي يستند اليها كل فتحاوي ومناضل شريف ، ولكن الاخ زكارنة أغفل في تصريحه ، وهو ما اغفتله قيادات الحركة منذ سنين طويلة ، ضرورة تبني استراتيجية تنظيمية نضالية موحدة وواضحة ، تعبرعن موقف حركة التحرير الوطني الفلسطيني ( فتح ) تعتمد في طياتها مواقف واضحة من التطورات المحلية والاقليمية والدولية دون المساس بالثوابت الوطنية .
حركة فتح استندت في مبادئها منذ نشأتها عام 1958 والى انطلاقتها في الاول من كانون ثاني 1965 ، وحتى اتفاق اعلان المبادىء ( أوسلو ) عام 1993 ، إلى مبادئ وطنية وقومية تركز على استقلالية القرار الوطني الفلسطيني ، واعتبرت تحرير فلسطين واجباً قومياً ، وأكدت على الهوية الفلسطينية المستقلة ، وتبنت الكفاح المسلح كطريق استراتيجي للتحرير، مع التزامها بالعمل الدبلوماسي والسياسي لتحقيق أهداف الشعب العربي الفلسطيني ، واكدت على أن فلسطين جزء من الوطن العربي ، وأن الشعب العربي الفلسطيني يمتلك شخصية وطنية مستقلة ، وحقاً أصيلاً في تقرير مصيره ، ورفعت شعار "تحرير فلسطين هو الطريق إلى " الوحدة العربية "مؤكدةً على مركزية القضية وضرورة اعتماد الشعب الفلسطيني على طاقاته الذاتية في نضاله ، معتبرة معركة تحرير فلسطين واجباً قومياً تشارك فيه الأمة العربية بكافة إمكانياتها المادية والمعنوية ، وأكد برنامجها السياسي على أن نضال الشعب العربي الفلسطيني هو جزء من نضال شعوب العالم ضد الاستعمار والاحتلال والظلم .
المؤتمر العام الثامن لحركة فتح أكد تمسكه بالثوابت الوطنية الفلسطينية وفي مقدمتها حق تقرير المصير وحق العودة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس ، وشدد على إنهاء الاحتلال والاستيطان ، وأن المقاومة بكافة أشكالها حق مشروع تكفله القوانين والشرائع الدولية وأن الشعب الفلسطيني يختار الشكل والوسائل والأساليب التي تخدم هدف التحرير وإنهاء الاحتلال ضمن رؤية وطنية موحدة تحقق المصلحة الوطنية الفلسطينية ، واجمع على تعزيز المقاومة الشعبية والعمل السياسي والدبلوماسي وإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية ، ورفض فصل قطاع غزة عن الضفة وكذلك مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية ، والدفاع عن الاسرى والشهداء وضمان حقوقهم ، وغيرها من البنود التي لا تقل في اهميتها عن سابقاتها .
البرنامج الذي اعلنه المؤتمر الثامن للحركة وطني بإمتياز ، ولكن بفارق كبير بين النظرية والتطبيق ، صحيح أن حركة فتح حركة وطنية ، وتجمع الفلسطينيين من كافة التوجهات والطبقات ، وترفض التعصب الحزبي أو الطائفي أو الإقليمي او القبلي او العشائري او العائلي ، ولكن واقع الحركة الحالي وبعد مضي نحو ستة عقود على انطلاقتها ، اختلف كثيرأ في النهج والتطبيق ، وحتى الاستراتيجية عن تلك التي كانت منذ نشأتها ، حيث بات قادتها يعتمدون في مهجهم على التجييش وشراء الولاءات والذمم والشللية والقبلية والعائلية ، ما يغلق أية آفاق مستقبلية نحو نهضة فتحاوية حقيقية تتمسك بالثوابت الوطنية ، وتجمع الكل الفتحاوي تحت مظلة فتح التي عهدناها ، صحيح ان هناك تطورات محلية واقليمية ودولية تتطلب منها التأقلم معها ، ولكن دون التفريط بالثوابت الوطنية ، فهي اليوم باتت عاجزة عن جمع الشعب الفلسطيني ، ولعل انخراطها بالسلطة وانعكاس سلبيات والتزامات السلطة عليها ، جعلها تدفع ثمنا كبيرا من شعبيتها ، الاخذة بالتآكل .
القيادات الفتحاوية الحالية والمتنفذة بالقرار الفتحاوي ، لم تأخذ على عاتقها استخلاص العبر من التجارب السابقة التي دفعت بها الى الصعود ال الهاوية ، وقاب قوسين او ادنى ستسقط بها ، ولعل خساراتها في الانتخابات التشريعية 2006 ، خيرنموذج لانعدام الاستراتيجية التنظيمية الموحدة للحركة ، فالتحديات الوجودية والهيكلية التي تعصف بها عميقة جدا وتستزفها بشكل كبير، الصراعات الداخلية والانقسام الفتحاوي الفتحاوي وعزوف كثير من قيادات وكوادر العصر الذهبي الثوري للحركة عن المشاركة بأطرها ، يزيد من أزمتها ، وما زاد الطين بلة ، مُخرجات المؤتمر الثامن الاخير للحركة ، والتي هي نتاج مُدخلات لم تراع التسلسل التنظيمي الصحيح ، والنقاشات حول الشرعية والقيادة ، والتي احتدمت خاصة بعد اشراك نجل الرئيس ابو مازن ( ياسر عباس ) باللجنة المركزية ، اعتبرها الكثير من عناصر القاعدة الفتحاوية لا تلبي طموحات الحركة ولا تُمثل الكادر الفتحاوي ، وهو ما سيعمل على ارباك المشهد الفلسطيني ككل .
ومن هنا تأتي الضرورة لاستراتيجية تنظيمية فتحاوية وطنية واضحة واحدة وموحدة ، تقوم على تفعيل دور مؤسسات الحركة وأطرها في الداخل والشتات ، وتُعيد للحركة دورها الطليعي والريادي ، ينتج عنها خطاب اعلامي موحد ، حيث العلاقة بين الاستراتيجية والخطاب تكاملية وعضوية في آن واحد ، فالخطاب الموحد اداة تعبيرية للاطار الاستراتيجي التنفيذي والميداني في الحركة ، ولكن وحده لا يكفي ، فلا بد من عمل ميداني وانجاز على الارض ينبع من استراتيجية تنظيمية موحدة تنتهجها كافة أطر الحركة ، ويمكن القول ان الخطاب الموحد هو الوجدان ، بينما الاستراتيجية التنظيمية الموحدة هي الجسد ، وبدون تبني استراتيجية تنظيمية موحدة ، لن يكون هناك جدوى لخطاب اعلامي موحد ، وسيبقى الخطاب مبعثرا وهشا يفتقد للشعبية التي يطمح لها الكادر الوطني في الحركة ، بل وربما يفتقر للشرعية التنظيمية الفتحاوية .