حين يتخلى الظل عن صاحبه!
في غزة، لم يعد الموت حدثا استثنائيا!
في مستشفى ناصر اليوم: ألم وحزن وبكاء خلال وداع أب لابنته الشهيدة التي قتلها الاحتلال بغارة على خيمة في خانيونس قبل قليل!
أطفال يهرعون نحو الموت بعجالة.. مضرجين بالرطوبة، تلفهم الأغطية واللفافات والبطانيات وما تيسر من أقمشة وبقايا دم متخثر.. أمهات يبكين وأباء يقرفصون بجوار جثامين نحيفة ممزقة أو هامدة لكنها دافئة لم تبرد بعد، يلطمون خدودهم ويزعقون بأعلى أصواتهم شتما وسبا، أو دعاء واستغفارا واستذكارا.. سيارات إسعاف وجلبة وأصوات زاعقة.. حركة في كل الاتجاهات أحيانا تشعر أنها بلا معنى أو هدف.. مشهد يتكرر طوال الوقت..
لم يعد الموت يأتي مصحوبا أو مسبوقا بإنذار؛ سوى ما تجود به السماء من احتمالات، لا يطل الموت على الخيام البالية عبر الأخبار العاجلة، فالعاجلة، على فضائيات العرب، تأتي بعد أن تحترق الخيمة ويموت الأطفال أو تتمزق أجسادهم نتفا وتتوزع صرخات أمهاتهم الدامية في الأنحاء.
صار الموت احتمالا يوميا يسير إلى جانب الناس في الطرقات، يجلس معهم على الأرصفة وفي المقاهي، يدخل معهم إلى المخابز والمحلات، ويقف خلف الأطفال وهم يحملون الماء أو الخبز أو حقائب المدرسة التي باتت فارغة إلا من قلم مكسور ودفتر ممزق وكتاب بال انمحى عنوانه!
في البداية، كان الناس يميزون بين أنواع القصف. هناك قصف يسبقه اتصال هاتفي، وآخر تلقى قبله منشورات، وثالث يعرف من هدير الطائرات الثقيلة. كان ثمة وقت، ولو قصير، لتجميع الأطفال، لالتقاط الأوراق الثبوتية، للركض، للصراخ، للنجاة المؤقتة، لكن شيئا ما تغير.
صار الموت أكثر برودة، وأكثر غدرا، وأقل حاجة إلى التبرير. الآن، قد تسير في شارع عادي، في ظهيرة عادية، دون صفارات، دون تحذير، دون هدف مفهوم، فتأتي رصاصة دبابة طائشة، أو صاروخ من مسيرة صغيرة بالكاد ترى، أو قذيفة من أباتشي لا أحد يعرف لماذا اختارت هذه اللحظة، وهذا الجسد، وهذا الطريق، مدفوعة بإحساسها غير الأدمي بالتفوق والعظمة، وبإحساس قائدها بالنشوة وهو يصطاد أروح بريئة لأطفال خرجوا من عتمة الخيمة ولهيب حرارتها أو نزيف ماء المطر من مساماتها إلى فسحة من ممر يشبه الشارع بين الخيام المصفوفة على جانبيه، طلبا للعب أو للهروب من الحر أو البرد أو الجوع، وربما خرجوا لجلب الماء أو ربطة الخبز أو لشراء حاجة من مقصف أو ما يشبه البقالة يشبعون بها جوع طفولتهم ونهمهم للحياة الطبيعية!
وقد لا يُقتل كثيرون. لكن الجميع يموت شيئ ما في داخله، المعنى؟ الشغف؟ اللهفة؟ الانتماء؟ ... في غزة، لم تعد الحياة تُعاش، بل تُدار بحذر شديد. الأم تؤخر خروج ابنها دقائق إضافية لعلّ الشارع يهدأ. الأب ينظر طويلا من باب الخيمة أو البيت المهدم قبل أن يقرر جلب الماء. الأطفال تعلموا أن يميزوا أصوات الطائرات كما يميز أطفال العالم أسماء الطيور. حتى الضحكة أصبحت ناقصة، لأن القلب يبقى متحفزا لانفجار مفاجئ قد يقطعها إلى الأبد. أرأيت ظلك في الظلام يمشي معك؟ في لحظة ما يتخلى عنك ظلك.. تسرع الخطى كي لا يلحق بك صاروخ أو شظية، فتهمل مراقبة ظلك بل وتشعر بالرغبة في تركه هنا، حيث لا خوف ولا قلق ولا لهفة!
الناس هنا لا يخافون الموت فقط، بل يخافون الطريقة التي قد يأتي بها: أن يتحول الجسد إلى عجز دائم. أن تبتر ساق طفل. أن تشوه ملامح فتاة. أن يبقى الإنسان حيا، لكنه غير قادر على النوم، أو الحركة، ومع هذا الاحتمال وشدة توقعه يصبح العقل مشوشا والقلب مشغولا والجسد منهكا.. ويمضي الموت يمارس لعبته الأثيرة: ملاحقة الأطفال في مخادعهم الوهمية. هذا الرعب المستمر لا يُرى في الصور؛ فالكاميرات تنقل الدمار، لكنها لا تنقل ذلك الانكماش البطيء في الروح. لا تنقل كيف يفقد الناس شغفهم بالحياة تدريجيا، يتحولون إلى زومبي؛ إذ تتآكل العادات الاجتماعية، والزيارات، والضحكات، والأحلام. المحللون العسكريون لا يشرحون بشغف المنتصر وزهو الجنرال كيف يصبح الخروج من البيت مشروع نجاة، لا فعلا عاديا، كيف يتحول الأمان، وهو أبسط حقوق البشر، إلى ذكرى بعيدة، أو حلم صعب المنال. غزة لم تخسر بيوتها وعمرانها ومرافقها فقط. خسرت الإحساس الطبيعي بالحياة. خسرت تلك الطمأنينة البسيطة التي تجعل الإنسان يخرج دون أن يودّع أهله وكأنه قد لا يعود. خسرت القدرة على التخطيط للغد، وعلى الحبّ بهدوء، وعلى النوم العميق، وعلى أن يكون المستقبل فكرة ممكنة، ومعها خسارة الأطفال لإمكانية اللعب في الشارع كما كنا نفعل في الزمن الجميل دون مخاطرة ودون قلق ودون حذر.
ولمن هم خارج غزة: تخيل أن يعيش أطفالك أشهرا طويلة وهم يعتقدون أن السماء تراقبهم لتختار واحدا منهم عشوائيا. تخيل أن يتحول الخوف إلى جزء من تكوينك العصبي. أن تجلس مع عائلتك بينما عقلك منشغل دائما بسؤال واحد: هل سننجو هذه الليلة؟ هذه ليست حياة يمكن للبشر أن يعتادوا عليها، حتى لو بدا ظاهرا أنهم تأقلموا. فالإنسان حين يعتاد الرعب لا يكون قد شُفي منه، بل يكون قد استنزف إلى الحد الذي لم يعد يملك معه رفاهية الانهيار.