من يتجرّع السّم هذه المرة؟

2026-05-30 09:52:30

الرئيس ترمب حيّر المحللين السياسيين وصنّاع القرارات في العالم، بتصريحاته حمّالة الأوجه، تارةً يتحدث كما لو أنه يُمسك بالقلم، للتوقيع على اتفاقٍ متبلورٍ مع إيران، وتارةً أخرى يُدلي بتصريحاتٍ مغايرةٍ تماماً مشترطاً استسلام إيران لخطوطه الحمر وإلا لن يوقع.

لماذا يفعل ترمب ما يفعل؟ منذ بدء حربه على إيران، حتى آخر اجتماعٍ أجراه في غرفة العمليات، لاتخاذ القرار الحاسم بشأن وقف إطلاق النار لمدة ستين يوماً، ولأنه صاحب قرار اشعال الحرب أو إطفائها، فإن العالم يظلّ مشدوداً لكل حركةٍ أو سكنةٍ يقوم بها، ذلك أن البشرية كلها، معلّقةٌ على قرارٍ منه، وليس فقط الولايات المتحدة، حتى الأسواق فقد ارتبطت الأسعار فيها بما يقول وما يفعل، والرجل من جانبه يواصل التلاعب باللغة، ورغم التداعيات الكارثية على وضعه داخل الولايات المتحدة، حيث هبوط شعبيته إلى أدنى درك، إلا أنه يُظهر سعادةً غامرة، لكونه يحتل واجهات الأخبار، وهذه إحدى مظاهر النرجسية المرضية التي تميز شخصيته وسلوكه.

بعد الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت ثماني سنوات زمن الإمام الخميني وصدّام حسين، وبدا محسوماً أمرها بتفوقٍ عراقيٍ ميدانيٍ وسياسي، حيث صدر قرار مجلس الأمن 598 الذي فرض وقف إطلاق النار، في حينه لم يجد الإمام الخميني مفرّاً من قبوله، وكان أن أطلق عبارته التي وصفت حالته بدقة، حيث قال: إن قبول قرار وقف إطلاق النار أشدّ قسوةً عليّ من تجرّع السم.

مراوغات ترمب وصعوبة حصوله على صورة نصرٍ حاسم، هدفها إيجاد مخرجٍ يحفظ ماء وجهه بعد أن استخدم كل ما لدى أمريكا من أسلحةٍ وإمكانيات، دون أن يحصل على الاستسلام الإيراني الذي وعد به، حاله تذكّر بحال الخميني، والفرق أن قائد إيران آنذاك قبل بتجرّع السم ليخرج بلاده من حربٍ لا فرص له في حسمها، وليوقف نزيف الموت الذي أودى بحياة مئات الألوف من رعاياه، أمّا ترمب فما يزال يناور بالوقت واللغة ليتجنّب لحظة الاعتراف الصريح بأنه لم ينتصر، وهذا الاعتراف بالنسبة لغروره ونرجسيته العالية، أشبه بتجرّع السم، وتفادياً لتلك اللحظة، سيظلّ يناور باللغة والسلوك إلى أن يجد مساعدوه صيغةً يقبل بها تبرر خلاصات الحرب ولو بنصرٍ مفتعل!