ترامب يدخل مرحلة الهستيريا
عندما تصل الأمور بالرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى مرحلة التلكؤ بالموافقة على ورقة التفاهمات مع إيران، والتهديد بعدم التوقيع عليها إلا بانضمام دول الخليج العربي كلها، ودون استثناء، للاتفاقيات «الإبراهيمية»، ويضيف إليها تركيا وباكستان، واعتبار هذا الأمر بمثابة شرط، أو شرط مسبق، فإن الرئيس ترامب يكون قد دخل مرحلة الهستيريا السياسية التامة، أو الكاملة، ويكون المأزق الذي يمرّ به هو المأزق الأكبر الذي وصل إليه منذ توليه منصب رئيس الولايات المتحدة، ومنذ دخوله في مغامرته بالحرب على إيران.
لم يكن الرئيس ترامب ليدخل نفسه في مثل هذا «الطلب» الذي قاله للدول العربية والإسلامية في صيغة الأمر والتهديد، وفي لهجة «ضرورة» الموافقة والإذعان، لولا أنه قد فهم عمق المأزق الذي وصلت إليه الإدارة الأميركية، ولولا أنه قد فقد كل الأوراق التي كانت بحوزته، أو لنقل، الأوراق التي كان يعتقد أنها بحوزته.
أين وقع الرئيس ترامب في خطأ الحسابات؟ ولماذا تشوشت رؤيته؟ وكيف جاء له أن مثل هذا الطلب يمكن أن يكون مخرجاً من مهزلة بهذا العمق، ومن أزمة استفحلت إلى هذه الدرجة؟
سأبدأ الإجابة عن هذه التساؤلات بملاحظة أراها جوهرية، وهي أن ترامب قد وصل إلى استنفاد مخزون الكذب الذي ظل ينهل منه طوال الفترة الممتدة بين 28 شباط وحتى تاريخ قبوله المبدئي بالاتفاق، وقرب التوقيع عليه.
صحيح أن النرجسية المريضة والرعونة المنفلتة لديه كانتا تبدوان طافحتين، وكأنهما تتدفقان من مصادر لا تنضب، إلا أنه فقد في الأسابيع الأخيرة الثقة بالتعويل عليهما، بعد أن تحولت رهاناته عليهما إلى سخرية فاقت كل حدود.
باختصار، بدأ كذب الرئيس ترامب يتحول من أداة تستر على إخفاقاته إلى عبء إضافي على هذه الإخفاقات.
وأكبر دليل على خروج الرئيس شيئاً فشيئاً من أجواء الكذب، والبدء بطرح «قضايا جدية»، بصرف النظر عن عقلانيتها، أو درجة معقوليتها، أو درجة ما تعكسه من جنون أو خبل أو حتى غباء - فهذا ليس هو المهم - ... أكبر دليل على بدء «تعافي» الرئيس من النوبات السياسية، ومن في حكم السياسة على طريقة هذا الرئيس، هو الطلب الذي تقدم به للبلدان العربية والإسلامية في اجتماع الدائرة المغلقة حول الاتفاقيات الإبراهيمية.
أقصد أن طلب الرئيس ترامب من قادة الإقليم الانضمام الفوري والضروري إلى الاتفاقيات الإبراهيمية هو طلب جدي للغاية، وهو حالة هستيرية سياسياً لأنه جدي. وهو احتياج سياسي له ولإدارته، وللجناح الذي ما زال يدعمه من الحزب الجمهوري، وهو جدي بالنسبة لجماعات الضغط الصهيونية، وهو جدي للغاية بالنسبة لداعميه من الأوساط الأكثر تطرفاً في الكونغرس وخارجه، أمثال غراهام وأدلسون ومن لف لفّهما.
والطلب، بحد ذاته، قد جاء هستيرياً لأن المأزق أصبح هستيرياً، ولأن درجة عمق المأزق حول الحالة السياسية التي تحيط بخناق ترامب هي هستيرية.
والحقيقة أن ترامب لم يتبقَّ أمامه من مسألة «جدية» سواها.
بعد أن أنفق مخزون الكذب كله، أو يكاد، عن التدمير والانتصارات، وعن الإبادات، ومحو الحضارات، وعن الإزالة من التاريخ والجغرافيا. لم يعد الرئيس ترامب يملك من أوراق داخلية سوى ورقة اللوبيات الإسرائيلية، ولم يعد يملك من أوراق «صمود» هذه اللوبيات إلى جانبه سوى «رشوتها» بالاتفاقيات الإبراهيمية.
والاتفاقيات الإبراهيمية بالذات، وليس سواها، هي المعادلة التي تستجيب لاحتياجاته الداخلية، في مراهنة على سرعة استعادة قواعد إضافية من «ماغا»، ومن بعض الأوساط المترددة في الحزب الجمهوري، والاستثمار في الرأسمال الصهيوني وسطوته في الولايات المتحدة.
عندما حسب الرئيس ترامب حساباته حول شروط الاتفاق مع إيران، وجد نفسه قد خسر كل شيء داخلياً، وخسر كل شيء خارجياً. هو لم يذهب إلى الاتفاق، بالدرجة والحد الذي ذهب به حتى الآن، بسبب مكاسب حقيقية كان سيحققها، أبداً وعلى الإطلاق. هو كان يدرك أن الصفقة، في مجملها، هي خسارة في خسارة، والسبب الذي دفعه إليها أن الخسارة دونها هي أضعاف مضاعفة، وخصوصاً إذا كانت العودة إلى الحرب هي واحدة من احتمالات البديل عنها.
الصفقة كانت، وما زالت - كما أرى -، هي أقل الخسائر، لكنها عالية الكلفة في المعادلة الداخلية، في المدى المباشر على الأقل، وهي عالية الكلفة على المستوى الخارجي، وخصوصاً المستوى الإسرائيلي، إلا إذا وافق العالم العربي والإسلامي في منطقة الإقليم على تعويض استراتيجي بحجم الانضمام الجماعي إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، وبما يرضي دولة الاحتلال، ويلبي أطماعها وطموحاتها، وبما يضمن «استقرار» الإقليم بعد أن تكون الولايات المتحدة قد «جنّبته» ويلات الحروب القادمة، وحيّدت الخطر الإيراني المزعوم.
هذه الأطروحة ليست للفشخرة ولا للرعونة، وليست ضرباً من ضروب الجولات والصولات والاستعراضات التلفزيونية المعتادة. عندما يسمي الرئيس ترامب الدول المطلوب موافقتها اسماً اسماً، وعندما تصل به الأمور إلى تهديد سلطنة عمان على لسان وزير خزانته، وعندما ينبري أقطاب الجناح اليميني العنصري المقربون من الرئيس ترامب إلى التهديد المباشر والصريح بالعواقب الوخيمة لكل من يخالف أوامر وتعليمات الانضمام إلى تلك الاتفاقيات، فهذه ليست فشخرات، وهي ليست أبداً من قبيل الرعونة، وهي ليست «الوجبة» اليومية من الأكاذيب التلفزيونية.
نحن هنا أمام حالة هستيرية جدية للغاية، نابعة وناتجة عن حالة هستيرية واقعية، حقيقية، وعميقة، تعكس واقعاً مأزوماً، وتعبّر عن حالة اختناق سياسي غير مسبوق. ولذلك، فهي حالة هستيريا مكتملة المواصفات؛ لأنها تقول لهؤلاء العرب والمسلمين، إن أمر بقائكم وحماية عروشكم من خطر الاندثار بات له ثمن آخر، ثمن جديد، لا يتوقف، أو لم يعد يتوقف، على نظام التبعية المعتاد، أو التحالف بصيغته السابقة، وإنما بات عليكم أن تدفعوا ثمن الفشل الأميركي، وثمن الإخفاق والفشل الإسرائيلي.
الرئيس الهستيري يضع الإقليم أمام أول امتحان تاريخي صعب، عليه سيتوقف مصير هذا الإقليم. «الخضة» في هذا الإقليم قادمة لا محالة، والمساومة التاريخية على الأبواب، وهي مساومة لن تمر بهدوء، وهي فرصة الإقليم، للمرة الأولى، لفرض مساومة مشروعة؛ لأن الاستجابة لطلبات ترامب العاجلة ليست سوى نهاية النظام الإقليمي وسقوطه.
فهل يكون الإقليم على قدر المسؤولية في فرض وقائعه في هذه الفرصة التاريخية الجديدة؟ أم سيسقط في امتحان الجدارة الأخير؟.