الفتحاويّون واستحقاقاتُ ما بعد المؤتمر الثامن
بعد انتهاء المؤتمر الثامن لحركة فتح، وانقضاء السجالات التي رافقت التحضيروالانعقاده والنتائج، لم يعد السؤال الأهم يتعلق بمن فاز ومن لم يفُز، بقدر ما يتعلق بكيفية قراءة التجربة والبناء على مخرجاتها، فالمؤتمرات في نهاية المطاف ليست غاية بحد ذاتها، بل محطات تنظيمية وسياسية يُفترض أن تفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من العمل الوطني والحركي، ومن هذا المنطلق، بالضرورة ان نُمييز بين النقاش المشروع حول التجربة، وبين التشكيك في شرعية مخرجاتها بعد أن أصبحت جزءًا من الواقع التنظيمي للحركة،فاي نقاش ان لم يكن يهدف لتلافي الاخطاء في المؤتمر القادم فهو نقاش عقيم ومضيعة للوقت.
تشكل المؤتمرات الحزبية في الحركات السياسية الكبرى لحظة مفصلية لا تُقاس فقط بنتائج الاقتراع، بل أيضًا بكل ما يسبقها من إعدادات تنظيمية تحدد بدرجة كبيرة موازين القوى قبل لحظة التصويت، وفي هذا السياق، يبرز مفهوم بالغ الأهمية في التحليل التنظيمي، وهو أن ما يُسمى بالإعدادات ليس مجرد تفاصيل إجرائية، بل في كثير من الحالات جزء من صناعة النتيجة أو على الأقل رسم حدودها العامة.
في حالة المؤتمر الثامن لحركة فتح، يمكن فهم المشهد من خلال طبيعة البنية التمثيلية التي تجمع بين القاعدة التنظيمية والقطاعات الحركية المختلفة ، وهذه الصيغة، مهما اختلفت الآراء حول بعض تفاصيلها، تعكس محاولة للموازنة بين التمثيل التنظيمي المباشر وبين متطلبات الشمول والتنوع داخل الحركة، ومن المعروف أن الجزء الأكبر من عضوية المؤتمر جاء من خلال المواقع التنظيمية المنتخبة، بينما استُكملت بقية المكونات وفق الآليات المعتمدة داخل الحركة، بما يحقق تمثيلًا لمختلف القطاعات والأطر التنظيمية.
ورغم ما قد يثار أحيانًا من ملاحظات حول بعض الانتخابات القاعدية أو آليات التمثيل، فإن هذه الانتخابات جرت في أوقاتها المحددة وخضعت للإجراءات التنظيمية المعتمدة، ولم تشهد اعتراضات حاسمة ضمن الأطر والمهل المقررة لها،وعليه، فإن محاولة إعادة فتح هذه الملفات بعد انتهاء مراحلها التنظيمية واستقرار نتائجها تثير تساؤلات تتعلق بالتوقيت والغاية أكثر مما تثير إشكاليات تتعلق بشرعية التمثيل نفسها.
كما أن وجود أعضاء في اللجان التحضيرية مرشحين لمواقع قيادية يظل موضوعًا قابلًا للنقاش والتقييم، شأنه شأن كثير من القضايا التنظيمية التي ترافق المؤتمرات الكبرى،غير أن هذه الملاحظات، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن فصلها عن حقيقة أن المؤتمر انعقد بمشاركة واسعة، وأن الجميع احتكم في النهاية إلى الآليات التي أُقرت واعتمدت لإدارة العملية الانتخابية.
كما لعبت التفاهمات والتحالفات التنظيمية التي سبقت انعقاد المؤتمر دورًا طبيعيًا في تشكيل المشهد الانتخابي، وهو أمر لا يقتصر على حركة فتح وحدها، بل يكاد يكون سمة ملازمة لمعظم المؤتمرات الحزبية الكبرى، فالنتائج النهائية لا تتشكل في يوم الاقتراع فقط، بل تكون في كثير من الأحيان انعكاسًا لمسار طويل من التفاعلات السياسية والتنظيمية التي تسبق المؤتمر وترافقه.
وفي هذا السياق تبرز مسألة في غاية الأهمية تتعلق بشرعية المخرجات، فالمشاركة في المؤتمر عبر الترشح أو الترشيح أو التصويت تعني عمليًا قبولًا بالإطار التنظيمي الذي جرت في ظله العملية، ومن يشارك في المنافسة ويقبل الاحتكام إلى الصندوق ويتعامل مع الاعضاء بوصفهم أصحاب صفة تمثيلية كاملة أثناء انعقاد المؤتمر، يكون قد أقر ضمنيًا بشرعية العملية ومكوناتها.
لقد صدرت بعد المؤتمر اعتراضات وانتقادات من بعض المرشحين الذين لم يحالفهم الحظ سواء في انتخابات اللجنة المركزية أو المجلس الثوري، وهو حق طبيعي ومشروع في إطار التعددية الداخلية وحرية الرأي داخل الحركة، غير أنه من الضروري التمييز بين الاعتراض على النتائج أو تقييم التجربة الانتخابية من جهة، وبين التشكيك اللاحق في شرعية اعضاء المؤتمر وآليات تمثيلهم من جهة أخرى، فالمشاركة في المؤتمر ترَشحًا وانتخابًا والتعامل مع الاعضاء بوصفهم أصحاب حق كامل في التصويت، تعني عمليًا القبول بالإطار التنظيمي الذي جرت في ظله العملية،ومن هنا، فإن ربط عدم الفوز بطريقة اختيار الأعضاء بعد انتهاء المؤتمر لا يبدو طرحًا منسجمًا مع منطق المشاركة والاحتكام إلى النتائج، خصوصًا إذا لم تكن هذه الاعتراضات قد أُثيرت ضمن الأطر التنظيمية وفي التوقيت المخصص لها.
لذلك فإن الاعتراض على شرعية حضور الأعضاء أو على أسس تمثيلهم بعد إعلان النتائج، خصوصًا من قبل من شاركوا في الترشح أو التصويت ولم يثيروا هذه الاعتراضات في وقتها، يظل اعتراضًا ضعيفًا من الناحية التنظيمية، فلو كانت شرعية الأعضاء موضع رفض حقيقي، لكان من الطبيعي أن يظهر هذا الرفض قبل الدخول في العملية الانتخابية أو أثناء انعقادها، لا بعد ظهور النتائج النهائية.
ولا يعني ذلك مصادرة حق النقد أو إغلاق باب المراجعة والتقييم، فالنقد الداخلي ضرورة لأي تنظيم يسعى إلى التطور والتجدد، غير أن هناك فرقًا جوهريًا بين النقد الذي يهدف إلى تطوير التجربة وتحسينها، وبين الطعن الذي يأتي بعد انتهاء العملية الانتخابية ويستهدف التشكيك في شرعية المخرجات بسبب عدم الرضا عن النتائج،فلو فاز المشككون لما اثير هذا الجدل.
غير أن القيمة الحقيقية لأي مؤتمر لا تُقاس فقط بمن فاز ومن لم يفز، بل بقدرته على فتح صفحة جديدة والانطلاق نحو استحقاقات المرحلة المقبلة،فحركة فتح تواجه اليوم تحديات سياسية ووطنية وتنظيمية كبيرة، تبدأ من متطلبات تجديد الحياة الداخلية وتعزيز الوحدة التنظيمية، ولا تنتهي عند مسؤولياتها الوطنية في ظل الظروف الفلسطينية المعقدة، ولذلك فإن نجاح المؤتمر لن يُقاس فقط بنتائج صناديق الاقتراع، بل بقدرة المؤسسات المنتخبة على تحويل تلك النتائج إلى فعل سياسي وتنظيمي يعزز مكانة الحركة ودورها.
وفي النهاية، فإن الكادر التنظيمي الحقيقي لا يُقاس موقفه بمدى رضاه عن النتائج أو حجم المكاسب التي حققها، بل بقدرته على تقديم مصلحة التنظيم على الاعتبارات الشخصية، والالتزام بالمؤسسة حتى في لحظات الاختلاف، فالتنظيمات القوية لا تُبنى على توافق دائم، بل على احترام قواعد العمل المشترك والاحتكام إلى إرادة الأغلبية ضمن الأطر المعتمدة.
ولعل القاعدة الأهم التي أثبتتها تجارب الحركات الوطنية عبر تاريخها هي أن الأشخاص هم من يصنعون قيمة المواقع وأثرها، وليس الموقع هو الذي يصنع قيمة الأشخاص، فالموقع قد يمنح صلاحيات أو مكانة تنظيمية، لكنه لا يصنع تاريخًا ولا يخلق حضورًا سياسيًا أو نضاليًا، أما الكادر الحقيقي، فإنه يبقى قادرًا على العطاء والتأثير وخدمة مشروعه الوطني والتنظيمي من أي موقع كان، لأن القيمة في جوهرها تنبع من الإنسان وما يحمله من التزام وخبرة ورصيد نضالي، لا من الكرسي الذي يجلس عليه.
تعالوا نضح الكتف على الكتف والزند على الزند والجهد على الجهد نحن كادر الفتح بغض النظر عن مواقعنا التنظيمية على طريق انجاز مهمتنا التنظيمية املا في انجاز مشروعنا الوطني،هيا لنعيد الى فتح ريادة المشروع الوطني،بنا جميعا، فائزين بعضوية الاطر وفائزين بفوز هؤلاء يمكن ان ننجز مشروعنا الوطني.