نقطة ضوء.. تسريبات عنتر بن شداد

2026-06-02 16:50:34

أوقفني أمس، في أحد شوارع طولكرم، رجلٌ سبعيني، وقبّلني على خدّي قبلتين عميقتين: «طقّين طقّ»، وبدأ حديثه دون مقدمات عن الظلم الواقع على رواد العمل الثوري والمجتمعي والطلابي والنقابي في الأرض المحتلة ــ أو «القطاع الغربي» كما يحلو للبعض تسميته ــ، وعن محاولات إبعادهم عن صناعة القرار السياسي الفلسطيني، إلا من رحم ربي.

وأسهب في شرح بدايات ظهور وانتشار حركات الشبيبة للعمل الاجتماعي في الضفة الغربية وقطاع غزة، ونجاحها في قيادة وتنظيم العمل الجماهيري والمجتمعي والتطوعي، وسحب خيوطه من بين يدي اليسار الفلسطيني. ثم أطنب في شرح ظروف نشأة الحركة الطلابية في الجامعات الفلسطينية: النجاح، وبيرزيت، والخليل، ودورها في نشر الوعي النضالي الوطني الجمعي، وإسقاط مشاريع روابط القرى العميلة، ومحاولات خلق قيادة بديلة عن منظمة التحرير الفلسطينية.

وقال بصوت غاضب: «لا تزعل يا أبا يعرب، لعب الكبار على جيلكم. لا أحد من الثوار الذين ظهروا بعد نهاية الانتفاضة الثانية يعرف تاريخكم ودوركم أصلًا. وكيف يعرفون ذلك وأنتم ــ كوادر وقادة ومؤسسون ــ ضائعون، ليس لكم عنوان أو هيكل تنظيمي واضح، ولا توجد جسور تنظيمية تربط بين الأجيال الفتحاوية المختلفة والمتعاقبة».

وضحك قائلًا: «أنتم مثل خيل الحكومة؛ فعندما تشيخ أو تهرم، يُطلقون النار على رأسها!».

وأضاف: «يا صديقي، فتح اليوم أقرب إلى حزب السلطة أو الحكم، وثوارها هبطوا عن جبل أحد قبل انتهاء المعركة، وأصبحوا موظفين ينتظرون الرواتب والرتب والوزارات والسفارات. فتح ابتعدت عن جوهر شخصيتها؛ تلك التي سكنت قلوب الجماهير، وشاركت  في أعمالهم وحقولهم ومصانعهم وجامعاتهم ومدارسهم وشوارعهم وحاراتهم وأفراحهم وأتراحهم؛ فتح أمّ الشهداء والجرحى والأسرى والمقهورين والفقراء والمساكين والمحتاجين والأرامل والأيتام».

بدت على الرجل سمات البساطة. سطا الزمن والفقر على مظهره وهيئته. شعر رأسه لم يرَ حلاقًا منذ زمن طويل، وارتدى جاكيتًا بنيًّا بلا أزرار، وقميصًا أزرق يبتل من جنباته العرق. معظم أسنانه غادرت أماكنها، ويحمل بين يديه مجموعة أكياس بلاستيكية: بندورة، وخيار، وزهرة، وخبز. وفي جيب جاكيته العلوي اصطفّت مجموعة من أقلام الحبر الجاف «البيك»، ولا أعرف ضرورتها.

رشقات من «لعابه» طارت في الفضاء المحيط بالمكان، وبذلت جهدي في الابتعاد عنها والفرار منها، دون إشعاره أو إحراجه بالحالة التي أواجهها في هذا الظرف العصيب.

قال: «يا أبا يعرب، البلاد تغرق، ويجري تهويدها وضمها بشكل صامت؛ فالمستوطنون والمستوطنات والحواجز والبوابات في كل مكان. والطرد والتهجير والخوف والرعب يلاحقون الناس، والفقر والجوع والبطالة يحاصرونهم من كل الجهات. يبحث الشعب عمّن يحميه ويدافع عنه ويوفر له الأمن والأمان. “ما حدا سائل بحدا”، وكأن ما يحدث في فلسطين يجري في إفريقيا الوسطى أو أمريكا الجنوبية. حركة وطنية مشلولة، ممدَّدة على أسرّة الإنعاش، ضاعت بوصلتها بين دهاليز الدولة المستقلة والوطن المحتل».

وانتقل الحديث إلى رام الله ودلالها وغنجها، وقال: «الداخل والساكن فيها لا يعرف ماذا يجري خارجها». ووصف الزعامات والوزارات والسيارات والشركات والسفارات بأوصاف لاذعة، يمكن اعتبارها قدحًا في المقامات العليا.

ضربت الشمس رأسي، وهبط العرق من وجهي، فقلت له: «ما تعرفنا بالخال!».

فقال: «مالك يا رجل؟ أنا عنتر بن شداد من عنبتا. كنا معًا في سجن النقب “كتسيعوت” في الانتفاضة الأولى، وفي الإقامة الإجبارية في سجن طولكرم».

هزّ رأسه يمينًا وشمالًا، وسار بضع خطوات، ثم عاد ليقول: «صحصحوا يا جماعة الخير، فلكل دولة رجالها وخطابها». 

وأضاف ضاحكًا: «غدًا سأزور العاصمة السياسية المؤقتة رام الله، وربما يصادفني موكب أحد الثوار السابقين. سأشرح له الفرق بين الثورة والثروة، وضرورة التمايز بين حركة فتح والسلطة الوطنية في الخطاب والمهام والعمل، ووجوب تبنّي نضال جماهيريٍّ جمعيٍّ يتخذ من تجربة الانتفاضة الأولى والمهاتما غاندي بوصلةً وطريقًا. وسأقرأ على مسامعه برنامج المشروع الصهيوني الناجح والمتواصل منذ عام 1897 حتى اليوم، وعوامل ضعف وتفتت المشروع الوطني الفلسطيني منذ عام 1922 حتى اليوم.

واقترح على قيادات وكوادر حركة فتح في الأرض المحتلة التفكير الجدي في إطلاق حركة مجتمعية بنكهة فتحاوية، تضم بين جنباتها التجارب الفتحاوية الميدانية: الجماهيرية، والطلابية، والنقابية، والمجتمعية، والخيرية، والثقافية. وخاصة أن البلاد تنتظر رسميًا إطلاق قانون الأحزاب الجديد؛ العهد الذي سيتم فيه تحويل الفصائل الفلسطينية جمعاء إلى أحزاب، تتخلى بموجبه عن أدواتها الثورية جملةً وتفصيلًا».

وقبل أن يبتعد عني قال: «لقد أحدث المؤتمر الثامن لحركة فتح  شرخًا كبيرًا داخل المنظومة الفتحاوية، أصاب عمودها الفقري بالشلل واللامبالاة والضياع، وزاد من فصل القاعدة عن القمة. وسترى صدق كلامي في المفاصل السياسية والتنظيمية القادمة. البلاد في كرب عظيم، والجماهير ضائعة، تائهة، محبطة. راقب الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة الجريح، سترَ ما لا يُقال، وما يدمي القلب والعين».

وأضاف: «شوف يا صديقي، بقيت معركة وحيدة يجب الفوز بها، هي صمود الناس في وطنهم، وتوفير كل أسباب الدعم اللامحدود لهم».

وشوف: «لا حل سياسيًّا في المدى المنظور أو البعيد أبدًا».

وشوف: «تقوم خططُ تل أبيب على منح الفلسطينيين حكمًا ذاتيا  داخل كانتونات وبوابات وحواجز وطرقٍ التفافية، لا تتجاوز مهمته إدارة شؤون السكان اليومية، وتوفير الأمن والأمان لإسرائيل ومستوطنيها، بما يتماثل مع  تجربة نموذج سعد حداد زعيم دولة   لبنان الحر  1979  . هكذا يخطط المحتلون ويحلمون!» . 

وشوف: «إذا كانت فتح بخير، فكل الحركة الوطنية بخير. وأقول لك، على ألسنة تسعين بالمئة من أبنائها، إنها ليست بخير، وهي القادرة على بعث الحياة في الناس».

وشوف: «آن الأوان لحكومة أو لفريق إنقاذ وطني  قبل فوات الأوان، فنحن في حالة غرق».

وأضاف: «يا عمي، ما بنفع التطنيش، ولا دبلوماسية امتصاص ردود الأفعال وتفريغ الغضب. الناس فاهمة وواعية وعارفة كل ما يحدث في البلد. بلاش بكرا نقول: يا ريت. هدف خصمنا الرئيسي تهجير العباد والسيطرة على البلاد».

صعد عنتر بن شداد إحدى الحافلات العامة، وجلس في المقعد الأمامي منها، ولوّح بيده اليمنى مودعا، فيما كانت سحابة من دخان سيجارته العربية تسبح في الهواء.

▪️  ملاحظة : نص كوميدي موجوع   ، وأي تشابه بين أبطاله وتفاصيله هو من باب الصدفة البحتة، فاقتضى التنويه.