رَشَا غزالتي تَعلمت من الصقور أن تكسر كل القيود وأن تحلق في فضاء القلب

2026-06-04 14:29:38

تقول غزالتي ان غزتنا ليست ديانة ترتد عنها ولا وطناً  تُغادره وتمضي،انها الروح ،فلو تناءت ستتهاوى بها سمائها فوق ارضها، منذ عامين ونصف وغزالتي تتنقل من مخيم إلى آخر؛ مخيم لا يحمي من مياه المطر ولا يقي حرّ الشمس، مخيم الخصوصية فيه عملة نادرة، فلا غذاء ولا دواء ولا ماء ولا كهرباء، وكل هذا الغياب يبرره أزيز الطائرات وهدير الدبابات وفرقعة الصواريخ، فأكثرها ذكاءٌ غبي.

في هذا المخيم الأخير، والمقام على الركام، حيث لا يحتاج الركام إلى تعريف، ولا تحتاج الجدران المهدمة إلى شرح، لأن كل شيء هنا يُعرّف نفسه بنفسه، تعيش غزالتي رشا. تجوب وقطتها الأزقة كما يفعل الآخرون، تحمل يومها مثلما يحمله الجميع، وتبدو في ظاهرها جزءًا من هذا المشهد الذي تعود الناس أن يروه كل يوم حتى صار مألوفًا، لكن ما لا يبدو مألوفًا أبدًا هو ذلك البعد الذي يسكن رشا وقطتها، ذلك الانفصال الهادئ بين الجسد والمشهد، بين الحضور والمغادرة، بين الواقع وما يتجاوزه.

رشا، كما أعرفها، ليست مجرد إنسانة تحمل اسمًا جميلًا، بل هي إنسانة يحمل اسمها معنى أكبر منها ومن المكان الذي تعيش فيه. فـ"رشا" في اللغة هي الغزالة الصغيرة، والغزالة، كما نعرفها، لا تُصنع للأمكنة الضيقة، ولا تتعلم العيش بين الركام، ولا تقبل أن يُختزل الأفق إلى زاوية شارع أو نهاية حارة. ومع ذلك، ها هي هنا، في أكثر الأماكن ضيقًا من حيث المعنى قبل الجغرافيا، تمشي بخطوات هادئة وكأنها تحاول أن تتصالح مع عالم لم يُخلق على مقاسها.

لكن التناقض الحقيقي لا يكمن في المكان وحده، بل في الطريقة التي تعيش بها هذا التناقض. ففي حياتها اليومية، لا شيء يلفت الانتباه للوهلة الأولى: تفاصيل عادية، حضور عادي، حركة عادية داخل فضاء غير عادي. إلا أن من يقترب قليلًا من لحظاتها الصامتة، من تلك الثواني التي تتوقف فيها دون سبب ظاهر، سيدرك أن هناك حياة أخرى تحدث في مكان غير مرئي. كأنها تعيش طبقتين من الوجود في وقت واحد: طبقة تمشي فيها على الأرض، وطبقة أخرى تتحرك فيها بعيدًا عنها دون أن تغادرها فعليًا.

يكفي أن تسكت رشا للحظة، أو أن ترفع عينيها نحو نقطة بعيدة لا يلتفت إليها أحد، حتى يبدأ شيء غير قابل للتفسير. لا يتغير المكان، لكن طريقة رؤيته تتغير، لا يختفي الركام، لكن ثقله يتراجع قليلًا، لا تنفتح الجدران، لكن المسافة بينها تصبح أقل قسوة، وكأن نظرتها وحدها قادرة على إعادة ترتيب العالم، أو على الأقل إعادة ترتيب موقعها منه.

كنت أراقب ذلك بصمت طويل، وأفكر أن بعض البشر لا يعيشون حياتهم في ما يفعلونه، بل في ما يتخيلونه وهم يفعلون. غزالتي رشا واحدة من هؤلاء، ليس لأنها تهرب من الواقع، بل لأنها لا تقبل أن يكون الواقع هو النسخة الوحيدة الممكنة من العالم. هناك دائمًا، في داخلها، هامش آخر للحياة، مساحة لا تخضع لقيود المكان ولا لصرامة التفاصيل اليومية.

في المخيم، يتعلم الناس مبكرًا أن الحياة ليست خيارًا سهلًا، وأن التكيف مع الصعب جزء من البقاء. لكن التكيف له وجوه متعددة؛ هناك من يتكيف عبر الاستسلام التدريجي لما هو قائم، وهناك من يتكيف عبر إعادة خلق المعنى داخله. وغزالتي، دون أن تعلن ذلك، كانت تنتمي إلى النوع الثاني. لا تصرخ، لا تعترض بصوت عالٍ، لا تحاول تغيير العالم بقدر ما تحاول أن تمنع العالم من أن يختصرها ويحوّلها.

بحثت عنها قدر ما يعدّون، وفي لحظات كثيرة كنت أسأل: أين تذهب حين تغيب؟ ليس الغياب الجسدي، بل ذلك الغياب الذي يحدث وهي واقفة بين الناس، وتداعب فرو قطتها الشقراء. أين تذهب تلك العينان حين تصمتان فجأة؟ أي خرائط غير مرئية تفتحها في داخلها؟ وأي مسافات تعبرها دون أن تتحرك خطوة واحدة؟

 

لا جواب واضح، وربما لا ينبغي أن يكون هناك جواب أصلًا. فبعض الأسئلة لا تُطرح لكي تُجاب، بل لكي تُفهم فقط. ما أعرفه هو أن رشا لا تبدو أسيرة المكان رغم أنها تعيش داخل حدوده. لا يمنحها الركام هويته الكاملة، ولا تختزلها الجدران في شكلها القاسي. هناك دائمًا شيء إضافي فيها، شيء غير مكتمل لكنه حيّ جدًا. شيء يشبه القدرة على تخيل ما هو أبعد من اللحظة، حتى لو كانت اللحظة ثقيلة بما يكفي لابتلاع أي خيال، ولعل هذا هو جوهر ما أراه في غزالتي.

ليست المسألة أنها ترى الصحراء بدل الركام، أو تحلم بفضاء بدل الأزقة، بل إنها تحتفظ في داخلها بحق بسيط وعميق في الوقت ذاته: ألا تُغلق الصورة، وألا تقبل بأن هذا المشهد هو الوحيد. فهي تترك دائمًا نافذة صغيرة مفتوحة، حتى لو كانت نافذة داخل العين نفسها. ولهذا، حين أتأملها، لا أراها كمن تعيش بين حدود المكان فقط، بل كمن تعيش بين حدّين أكبر: حدّ الواقع وحدّ ما يمكن أن يكون.

وفي هذا التوتر الصامت بين الحدّين، كانت رشا تمشي، تتوقف، تسكت، تنظر، ثم تغادر دون أن تغادر، وكأنها تمارس يوميًا فعلًا بسيطًا لا يراه أحد: أن تبقى هنا وأن تذهب هناك في الوقت نفسه، وأن تحافظ على هذا التوازن الغريب بين أن تكون موجودة بالكامل وأن تكون حرة بالكامل أيضًا.

وهكذا، كلما رأيتها، كنت أفهم أن بعض الناس لا يحتاجون إلى السفر ليغادروا، ولا إلى الرحيل ليصلوا، يكفيهم أن يعرفوا أين يضعون نظرهم. وغزالتي كانت تعرف ذلك جيدًا، حتى وهي صامتة لا تقول شيئًا.

وفي النهاية، كلما رأيت غزالتي تعود من تلك الرحلة الصامتة إلى نفسها، كنت أجد في داخلي أمنية لا تُقال بصوت مرتفع، بل تُترك كما تُترك الأشياء الجميلة معلّقة في القلب، أن لا يضيق بها هذا المكان أكثر مما ضاق، وأن تظل تلك النافذة التي تفتحها في عينيها قادرة على أن تتسع أكثر، ليس هروبًا من الواقع،بل اخلق واقع اكثر رحابةً،حتى تصل يومًا إلى حيث لا يكون القلب مضطرًا لأن يختبئ، ولا العين مضطرة لأن تسافر وحدها، ولا الروح مطالبة بأن تعيش بين حدّين، إلى حيث يصبح المكان أوسع من الركام، وأهدأ من الضجيج، وأكثر رحابة من كل ما يحاصرها اليوم، هناك… حيث لا يحتاج الإنسان أن يغادر كي يشعر بأنه حر، ولا أن يحلم كي ينجو، بل يعيش ببساطة كما ينبغي له أن يعيش: كاملًا، مطمئنًا، غير مضطر لأن يهرب داخل نفسه كي يحتمل العالم، ولعل أكثر ما أتمناه لغزالتي رشا أن تجد يومًا ذلك الاتساع الذي يشبهها، وأن يسعها المكان كما وسعها قلبي.

هي تعلمت أن لا سقف للروح مهما ضاق المكان، وأن ما لا تستطيع الجدران أن تمنعه، لا يستطيع الركام أن يحاصره. في داخلها مساحة تشبه السماء، كلما ضاق الخارج اتسع الداخل، وكلما اشتد القيد خفّ وزنه في عينيها.

لم تعد تنظر إلى ما يحيطها كحد نهائي، بل كمرحلة عابرة، وكأنها فهمت بطريقتها الخاصة أن الحرية لا تُمنح بل تُصنع، وأن التحليق ليس حركة في الهواء فقط، بل قدرة على تجاوز ما يبدو ثابتًا في الأرض.

ولهذا، حين أراها، لا أراها غزالة محاصرة بالمكان، بل روحًا تتعلم وتُعلم كل يوم كيف تشبه الصقور في علوها، وكيف تبقى رغم كل شيء خفيفة بما يكفي كي لا يسقطها العالم، وواسعة بما يكفي كي لا يضيق بها قلبي.(غزالتي هي كل ام صابرة في القطاع الحبيب).