الطالب الفلسطيني: من متلقٍّ إلى فاعلٍ تحت الضغط
اعتادت النظريات التربوية التقليدية أن تنظر إلى الطالب بوصفه متلقيا للمعرفة، وأن تقيس نجاح العملية التعليمية بمدى قدرته على استيعاب المحتوى الذي يُقدَّم له داخل الصف.
لكن هذه الصورة تبدو قاصرة في البيئات القسرية، حيث لا يملك الطالب رفاهية الاكتفاء بدور المتلقي. ففي فلسطين، كما في غيرها من مناطق النزاع، يضطر الطالب إلى أن يكون شريكًا في إنتاج التعلم نفسه، لا مستهلكًا له فقط.
في السنوات الأخيرة، تعرض التعليم الفلسطيني لاختبارات قاسية. فقد دُمِّرت أو تضررت مئات المدارس في قطاع غزة، وانقطع مئات آلاف الطلبة عن التعليم النظامي لفترات متفاوتة، فيما واجه طلبة الضفة الغربية قيود الحركة والإغلاقات المتكررة والحواجز العسكرية. ومع ذلك، لم يتوقف التعلم بالكامل، بل ظهرت أشكال جديدة من المبادرات الفردية والجماعية للحفاظ على استمراريته.
هذه الظاهرة ليست فلسطينية فقط. ففي مخيمات اللاجئين السوريين في الأردن ولبنان، طوّر الطلبة مبادرات تعليم الأقران لتعويض النقص في الخدمات التعليمية. وفي مخيمات الروهينغا في بنغلادش، اعتمدت المجتمعات المحلية على حلقات التعلم المجتمعي للحفاظ على الحد الأدنى من التعليم. لكن ما يميز الحالة الفلسطينية هو امتداد هذه التجربة لعقود، وتكرارها في سياقات متعددة: المدارس، الجامعات، المخيمات، وحتى السجون.
ولعل التجربة التعليمية للحركة الأسيرة الفلسطينية تمثل أوضح نموذج على تحول الطالب من متلقٍ إلى فاعل. فداخل سجون الاحتلال، حيث حُرم الأسرى من كثير من الموارد التعليمية، لم يتوقف التعلم، بل نشأت أنظمة تعليم ذاتي وتعاوني متكاملة. تولى الأسرى إعداد المناهج، وتقسيم المواد، وتنظيم حلقات النقاش، وتبادل الخبرات، حتى تحولت الزنازين إلى فضاءات لإنتاج المعرفة. هنا لم يكن الأسير طالبا ينتظر من يعلّمه، بل أصبح معلما وباحثا ومنظما للعملية التعليمية في آن واحد.
هذه التجارب تكشف حقيقة مهمة: حين تضيق الظروف، لا يختفي التعلم بالضرورة، بل تتغير طبيعته.
فالطالب في البيئات القسرية يطوّر مهارات لا تُقاس غالبا في الامتحانات التقليدية: التعلم الذاتي، إدارة الوقت، البحث عن البدائل، العمل الجماعي، والقدرة على التكيف مع الأزمات. وهي مهارات أصبحت اليوم من أكثر المهارات طلبا في عالم سريع التغير.
لكن المشكلة أن الأنظمة التعليمية ما زالت تنظر إلى الطلبة من زاوية ضيقة، وتقيّم نجاحهم بناءً على الدرجات والتحصيل الأكاديمي فقط، بينما تتجاهل أشكالًا أخرى من الكفاءة أثبتت التجربة أهميتها.
إن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف نُعلّم الطلبة؟ بل: كيف نستثمر قدرتهم على التعلم؟
ولذلك، تحتاج السياسات التعليمية الفلسطينية إلى ثلاثة تحولات رئيسة:
أولًا: الانتقال من التعليم القائم على التلقين إلى التعليم القائم على المشاركة، بحيث يصبح الطالب مساهما في بناء المعرفة.
ثانيًا: تعزيز مهارات التعلم الذاتي والتعاوني، باعتبارها أدوات أثبتت فاعليتها في البيئات القسرية.
ثالثًا: الاعتراف بالمبادرات الطلابية وإدماجها في العملية التعليمية بدل التعامل معها كاستجابات مؤقتة للأزمات. لكن، يبقى هناك بعد أعمق من كل ذلك.
فالطالب الفلسطيني لا يتعلم فقط من أجل النجاح الفردي أو الحصول على وظيفة. في كثير من الأحيان، يرتبط التعليم لديه بمعنى يتجاوز المنفعة الشخصية ليصبح جزءًا من الصمود والحفاظ على الهوية والقدرة على تخيل مستقبل أفضل.
ولهذا، فإن أعظم خطأ يمكن أن نقع فيه هو الاستمرار في النظر إلى الطالب بوصفه الحلقة الأضعف في العملية التعليمية. فالواقع يقول شيئًا مختلفًا.
في المدرسة، وفي الجامعة، وفي المخيم، وفي الزنزانة، أثبت الطالب الفلسطيني أنه ليس مجرد متلقٍ للمعرفة، بل شريك في إنتاجها، وعنصر فاعل في حمايتها واستمرارها.
ومن هنا، فإن مستقبل التعليم الفلسطيني لا يتوقف فقط على ما نُقدّمه للطلبة، بل أيضا على مدى قدرتنا على الاعتراف بما يمتلكونه أصلًا من طاقات وخبرات وإمكانات تشكل أحد أهم مصادر القوة في المجتمع الفلسطيني.
وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس: ماذا نُعلّم الطالب؟ بل: كيف نبني نظاما تعليميا يثق بقدرته على أن يكون شريكًا في صناعة المعرفة وصناعة المستقبل معا؟