فلسطيني في هوليوود 40
فلسطيني في هوليوود 40:
مي مصري، هي واحدة من أبرز قامات السينما الوثائقية العربية والفلسطينية. استطاعت على مدار أكثر من ثلاثة عقود أن تنقل النبض الإنساني للقضية الفلسطينية والأزمات اللبنانية إلى الشاشات العالمية، متبنيةً أسلوباً سينمائياً يمزج بين التوثيق الصارم والشاعرية البصرية العميقة. لم تكن مصري مجرد مخرجة خلف الكاميرا، بل كانت شاهدة ومؤرخة بلغة الضوء والصوت لعقود من الحرب، اللجوء، والأمل.
#النشأة والتعليم:
ولدت مي مصري في عمان عام 1959 لأب فلسطيني من عائلة عريقة في مدينة نابلس (رجل الأعمال منيب المصري) وأم أميركية. نشأت وترعرعت في بيروت، المدينة التي صقلت وعيها السياسي والفني وشهدت اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، مما أثّر عميقاً في توجهاتها اللاحقة.
سافرت إلى الولايات المتحدة الأميركية لمتابعة دراستها الجامعية، حيث درست القنوات الفضائية والسينما في جامعة كاليفورنيا، بركلي، وتخرجت منها عام 1981. هناك، تبلورت رؤيتها لأهمية الصورة والسينما كسلاح ثقافي وتعبيري قادر على تغيير الصور النمطية.
#الشراكة المهنية والإنسانية:
بعد عودتها إلى بيروت، التقت بزوجها المخرج السينمائي اللبناني الراحل جان شمعون. شكل الثنائي معاً ثنائياً سينمائياً استثنائياً، وأسسا شركة "Mideast Film" للإنتاج. قدما معاً سلسلة من الأفلام الوثائقية التي أرخت للحرب الأهلية اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي، وركزت على صمود الشعوب في وجه الدمار.
#الرؤية والأسلوب السينمائي:
تميزت سينما مي مصري بتركيزها على البعد الإنساني بعيداً عن الشعارات السياسية الجافة. وتتجلى خصوصية أفلامها في محورين أساسيين:
*سينما المرأة: أعطت مصري صوتاً قوية للمرأة العربية والفلسطينية، مظهرةً إياها في أدوار الصمود والمقاومة اليومية، وليس فقط كضحية.
*سينما الأطفال: تميزت بقدرتها الفريدة على دخول عالم الأطفال تحت الاحتلال أو في مخيمات اللجوء، وكيف يعيد هؤلاء الأطفال ابتكار أحلامهم وسط الركام (كما في ثلاثية بيروت وجنين).
#أبرز الأعمال السينمائية:
يمتلئ الرصيد الفني لمي مصري بأفلام وثائقية حازت على جوائز عالمية، بالإضافة إلى تجربة روائية طويلة رائدة:
1. الأفلام الوثائقية البارزة:
*"تحت الأنقاض" (1983): أول فيلم أخرجته بالتعاون مع جان شمعون، ويوثق حصار بيروت عام 1982.
*"أطفال جبل النار" (1990): يعكس واقع الأطفال في مدينة نابلس خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى.
*"أطفال شاتيلا" (1998): يروي قصة طفلين يعيشان في مخيم شاتيلا للاجئين في بيروت، ويقدم نظرة ثاقبة لذكراهم وهويتهم المفقودة.
*"أحلام المنفى" (2001): فيلم يربط بين طفلتين لاجئتين، إحداهما في مخيم شاتيلا بلبنان والأخرى في مخيم دهيشة ببيت لحم، ويرصد لقاءهما المؤثر على الحدود اللبنانية الفلسطينية بعد التحرير عام 2000.
*"يوميات بيروت" (2006): يوثق التغيرات السياسية والاضطرابات في لبنان عقب اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري.
2. الفيلم الروائي الطويل:
*"3000 ليلة" (2015): هو أول فيلم روائي طويل لها. مستوحى من قصة حقيقية لسيدة فلسطينية تضع مولودها داخل سجن إسرائيلي. حقق الفيلم نجاحاً دولياً باهراً، ومثّل الأردن في ترشيحات جوائز الأوسكار عن فئة أفضل فيلم أجنبي عام 2016، وحصد أكثر من 28 جائزة دولية.
#الجوائز والتكريمات:
نالت مي مصري تقديراً دولياً واسعاً، وعُرضت أفلامها في أكثر من مئة دولة عبر شاشات التلفزة والمهرجانات السينمائية، وحصلت على أكثر من 60 جائزة عالمية، من أبرزها:
*جائزة الاستحقاق مدى الحياة من مهرجان دبي السينمائي الدولي.
*جائزة لوتشينو فيسكونتي الإيطالية العريقة.
*جائزة مؤسسة "تكريم" للإنجاز الثقافي.
*عضويتها في أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة (الأوسكار) منذ عام 2018.
تقول مي: "إن السينما بالنسبة لي ليست مجرد مهنة، بل هي أداة للمقاومة واستعادة الذاكرة الحية للشعوب."
#تظل مي مصري رمزاً للسينما الملتزمة التي لم تتخلَّ يوماً عن جماليات الفن لصالح القضية، بل جعلت من القضية مادة فنية بصرية راقية فرضت احترامها على المحافل السينمائية الدولية كافة