نقطة ضوء: وطنٌ يتآكل !
مرضى مكدّسون بالآلاف، وأدويةٌ أساسية مفقودة، ومستشفياتٌ ومراكز صحية خاوية على عروشها، كأنّ الحياة انسحبت من ممراتها بصمتٍ ثقيل، وتركت الناس يواجهون أوجاعهم بصدورٍ عارية.
موظفون حكوميون تائهون على حوافّ الظروف القاسية، يبحثون عن لقمة العيش، والحدّ الأدنى من كلفة البقاء. وعاملون في الداخل الفلسطيني باعوا معظم ما يملكون، وغرقوا في الديون من أعلى الرأس إلى أخمص القدمين، حتى باتت الحياة بالنسبة إليهم سباقاً يومياً مع الحاجة.
مزارعون طُردوا من منازلهم وأراضيهم الخاصة، وهُجّروا من أغوارهم، وسُرقت مواشيهم، ينامون في العراء، فيما الريح حارسهم الوحيد، والسماء سقفهم الأخير.
مخيمات خاوية على عروشها، لا حياة تدبّ في أزقتها، ولا دفء يسكن بيوتها. دُمّرت، وطُرد سكانها، وتوزّع أهلها بين النزوح والوجع والحرمان والجوع. جنين، وطولكرم، ونور شمس؛ أسماء لم تعد مجرّد أماكن، بل صارت عناوين مفتوحة للألم.
ومواطنون تُهدم منازلهم وتُدمّر ممتلكاتهم بذرائع شتى، فيتبخّر شقاء العمر في لحظات، وتتحوّل سنوات الكدّ والتعب إلى ركامٍ وغبار.
واحتلالٌ إحلاليٌّ استيطانيٌّ يواصل مصادرة الأرض، ويشيّد المستعمرات والبؤر الرعوية، وينظّم ويُسلّح فرق الحرق والقتل والتدمير في كل مكان، فيما تتراجع حدود الأمان أمام زحف المستعمرات كأنها موجٌ أسود يلتهم ما تبقّى من الأرض.
وقتلٌ يطال جميع تصنيفات أوسلو المغدور: (A) و(B) و(C)، بقوة السلاح تارةً، وبقوة القانون الاحتلالي تارةً أخرى، في مشروعٍ لا يستهدف الأرض وحدها، بل الإنسان والذاكرة والمستقبل.
أما قطاع غزة، أرضاً وشعباً، فما زال مصلوباً على جدار الموت والجوع والمرض والخوف والانقسام والعجز الدولي. هناك، لا يُقاس الزمن بالساعات والأيام، بل بعدد الشهداء، وبمقدار ما يتسع الجرح في القلب الفلسطيني.
وفي الجهة الأخرى من المشهد، تشقّ طوابير الهجرة طريقها نحو أصقاع الأرض الأربع، باحثةً عن بصيص ضوء في آخر نفقٍ يزداد ظلمةً يوماً بعد يوم.
فماذا بقي للناس أن يفعلوا؟ وكيف يمكن لهم أن يدافعوا عن أحوالهم وأسرهم ومنازلهم ومصادر رزقهم؟ وهل يستطيع الجائعون والمظلومون والمضطهدون والمنبوذون مواصلة العطاء بلا حدود؟ وهل يمكن لغياب العدالة والمساواة أن يداوي شلل الأجساد وانكسار الأرواح؟ .
قولوا للشعب: ماذا يفعل؟ وكيف يعيش؟ وكيف يتصرّف؟.
قولوا للناس: من المسؤول عنهم؟ ومن يحلّ مشكلاتهم؟ ومن يتولّى أمرهم؟ .
قولوا للجماهير: أين الفصائل الوطنية؟ أين حكومات “التكنوقراط المختصّة”؟ وأين العمل الجماهيري الشعبي والاجتماعي؟ أين رأس المال الوطني وهوامير المال الذين راكموا الثروات في زمن الشدّة والضيق؟ .
قولوا للناس: فقدنا كثيراً من عمقنا القومي والإسلامي والدولي، وإن العالم الذي يملأ الشاشات بالتصريحات عاجز عن تزويد بطون الجوعى خبزاً، وعاجز عن ردّ حقوق المظلومين.
قولوا لهم: إن الاعترافات الدولية، مهما كثرت، ما زالت حبراً على ورق، عاجزةً عن استعادة أموالنا المسروقة والمنهوبة، وعاجزةً عن وقف عجلة القتل التي تدور فوق أجساد شعبنا منذ سنوات.
قولوا للشعب: مطلوب منا أن نقبل بحكمٍ ذاتيٍّ داخل مناطق محاصرة بالمستعمرات والمستعمرين والبوابات والحواجز والجدران، يوفّر الأمن والأمان والحياة الهادئة للمحتلين ومشروعهم.
الجواب بسيط، لكنه مؤلم:
علينا أن نقنع الشعب بأننا جميعاً ما زلنا نعيش تحت سنابك احتلالٍ استيطانيٍّ إحلاليٍّ، هدفه طردنا وتهجيرنا وتجويعنا وإذلالنا، واغتيال السلام والإنسانية والقانون من حولنا.
وعلينا أن نقنع الناس بأننا لسنا دولةً مستقلة، بل وطناً محتلاً من الألف إلى الياء، ومن أعلى الهرم إلى آخر حجر في هذه الأرض.
وعلينا أن نعيد هندسة هياكل السلطة الوطنية لتكون ذراعاً تحررياً حقيقياً، هدفه صناعة الحرية، وتثبيت الإنسان الفلسطيني في أرضه، ومواجهة مشاريع التهجير والطرد والإذلال.
دعونا من ثلاثين وزارة، وآلاف الوكلاء والمدراء والألوية، ومن طبقات التصنيفات والتشريفات التي تتكاثر فيما تتراجع قدرة الناس على الاحتمال.
ودعونا نواجه الحقيقة كما هي: الفصائل الوطنية، بصيغتها الثورية القديمة، أصابها الوهن والتآكل والضياع، وتحوّلت إلى كياناتٍ وظيفية خالصة، ودخلت غرف الإنعاش الوطني، وأُصيب فعلها النضالي بالشلل، فيما انحسر الكفاح الجماهيري داخل حدود النخب والمناسبات الرسمية.
الشعب يفقد كثيراً من صبره، وجمره تحت الرماد يشعّ غضباً. والخطر لا يكمن في قوة الاحتلال فقط، بل في أن نستيقظ ذات يوم فلا نجد حولنا أحداً، ونفقد القدرة على تمثيل شعبنا وقضيتنا، ونتحوّل إلى هياكل قائمة بلا روح.
والتاريخ مليء بالعبر لمن أراد أن يتعلّم. فكم من قوى وأحزاب وأنظمة ظنّت أن الجماهير ستبقى خلفها إلى الأبد، ثم اكتشفت متأخرة أن الأرض انسحبت من تحت أقدامها حين فقدت ثقة الناس وابتعدت عن نبضهم، وفي بلاد بني أمية العبرة والمثل.
الدساتير والانتخابات لا تخلق شرعيات ولا تجدد أعمار النخب، بل الاستراتيجيات والذوبان في فضاء الجماهير، وصناعة مجتمعات العدالة والمساواة والقانون والشفافية، هي أقصر الطرق للقوة والشرعية والصمود والحرية.
فلسطين خيمتنا الأخيرة، ووطننا الذي لا بديل عنه. فيها نحيا، وفيها نصمد، وفيها نموت إن اقتضى الأمر. فهذه البلاد تعرف أبناءها، وأبناؤها يعرفون طريقهم إليها، مهما اشتدت العواصف، ومهما طال الليل، ومهما تكاثرت حولها الأسوار.