بنك فلسطين.. مؤشرات مالية قوية تعزز الثقة في القطاع المصرفي الفلسطيني

2026-06-10 16:44:14

في ظل واحدة من أعقد المراحل التي مرّ بها الاقتصاد الفلسطيني منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، وجد بنك فلسطين نفسه أمام اختبار استثنائي لمتانة مركزه المالي وقدرته التشغيلية، وسط بيئة تتداخل فيها مخاطر الحرب، وتدمير البنية التحتية، وشح السيولة النقدية، وتراجع النشاط الاقتصادي، وتزايد الضغوط على القطاع المصرفي ككل.

مكانة بنك فلسطين في النظام المالي الفلسطين

وتأتي أهمية هذه التجربة من مكانة البنك داخل النظام المالي الفلسطيني، فبنك فلسطين، الذي تأسس عام 1960، يُعد من أبرز المؤسسات المصرفية الفلسطينية، ويعمل تحت رقابة سلطة النقد الفلسطينية، ما يجعله جزءًا أساسيًا من بنية الاستقرار المالي في الأراضي الفلسطينية.

ويقول الخبير الاقتصادي من قطاع غزة، محمد أبو جياب، إن بنك فلسطين أثبت منذ اندلاع الحرب "قدرة عالية على البقاء والصمود في وجه الأزمات"، معتبرًا أن ما واجهه البنك في غزة لا يندرج ضمن المخاطر التقليدية التي تتعامل معها المصارف عادة، بل ضمن بيئة عالية الانكشاف على المخاطر الأمنية والسياسية والتشغيلية.

وتتقاطع قراءة أبو جياب مع ما رصده البنك الدولي بشأن واقع القطاع المصرفي في غزة، إذ أشار إلى أن البنية التحتية المالية في القطاع تعرضت لأضرار كبيرة أثّرت بشدة على تقديم الخدمات، وأن 33 من أصل 57 مقرًا وفرعًا مصرفيًا دُمّرت بالكامل، و19 تضررت جزئيًا، ما جعل نحو 98% من البنية المصرفية غير عاملة، رغم بقاء الأنظمة المصرفية الأساسية قيد التشغيل بفعل خطط استمرارية الأعمال والنقل المسبق للأنظمة.

استمرارية التشغيل رغم الحرب وتدمير البنية المصرفية

في هذا السياق، تبدو قدرة البنك على المحافظة على الاستقرار التشغيلي مرتبطة بما يسميه أبو جياب "المرونة والثبات"، أي قدرة المؤسسة على امتصاص الصدمة دون فقدان قدرتها على تقديم الحد الأدنى من الوظائف المصرفية. فالبنوك، كما يوضح، تميل عادة عند ارتفاع المخاطر إلى الانسحاب من مناطق العمل أو إعادة تموضعها، لكن بنك فلسطين واصل إدارة وجوده في غزة رغم الحرب، وغياب الأمن، وتعطل النشاط الاقتصادي، والتهديدات التي فرضها الواقع الميداني.

المؤشرات المالية: ثقة المودعين تقابل صدمة الحرب

وعلى المستوى المالي، تكشف نتائج البنك أن الصدمة لم تمنع استمرار النمو في عدد من المؤشرات الأساسية. ففي نتائج عام 2024، أعلن بنك فلسطين ارتفاع إجمالي الإيرادات إلى 354 مليون دولار، بزيادة 8% عن عام 2023، كما ارتفع الربح قبل تكلفة المخاطر والضرائب إلى 181 مليون دولار، في حين سجل البنك خسارة صافية بلغت 27.9 مليون دولار نتيجة مخصصات استثنائية مرتبطة بتداعيات حرب غزة وخسائر نقدية. وارتفعت ودائع العملاء إلى 6.99 مليار دولار، كما زادت الأصول إلى 8.36 مليار دولار، مع المحافظة على نسبة كفاية رأس المال عند 15.28%.

هذه الأرقام تمنح تفسيرًا اقتصاديًا لما يشير إليه أبو جياب بشأن ثقة المودعين والمستثمرين. فاستمرار نمو الودائع في بيئة حرب يعني أن البنك تمكن من الحفاظ على "رأسمال الثقة"، وهو عنصر غير ملموس لكنه حاسم في الصناعة المصرفية، لأن أي تراجع حاد في الثقة قد ينعكس على السيولة، وقدرة البنك على إدارة الميزانية العمومية، ونسبة القروض إلى الودائع، وجودة الأصول.

وفي نتائج الربع الثالث من عام 2025، أظهر البنك تحسنًا إضافيًا في مؤشرات الملاءة والسيولة، إذ بلغت الأصول 10.55 مليار دولار، وارتفعت ودائع العملاء إلى 8.78 مليار دولار، وزادت حقوق المساهمين إلى 641 مليون دولار، فيما سجل صافي ربح بلغ 44.6 مليون دولار، مقارنة بخسارة في الفترة ذاتها من العام السابق. كما بلغت نسبة كفاية رأس المال 16.14%، ونسبة تغطية السيولة 896%، وهي مؤشرات تعكس قدرة عالية على امتصاص الصدمات والمحافظة على هوامش أمان رأسمالية وتشغيلية.

ويرى أبو جياب أن هذه النتائج لا يمكن فصلها عن منظومة إدارة المخاطر والحوكمة داخل البنك. فإدارة المخاطر هنا لا تعني فقط التعامل مع مخاطر الائتمان، بل تشمل مخاطر السيولة، والمخاطر التشغيلية، ومخاطر السمعة، ومخاطر الامتثال، إضافة إلى مخاطر التركّز الجغرافي الناتجة عن الحرب على قطاع غزة.

ويشير إلى أن "إدارة قوية ورشيدة ومرنة" ساعدت البنك على التعامل مع مستجدات الواقع الاقتصادي والميداني، وهو ما منحه أفضلية في البقاء والعمل مقارنة بمؤسسات مالية أخرى واجهت صعوبات أكبر في استعادة نشاطها داخل القطاع. ويمكن قراءة ذلك من خلال حفاظ البنك على نسب سيولة مرتفعة، وتدعيم رأس المال، وإدارة المخصصات الائتمانية بصورة استباقية، بما يحدّ من انتقال الصدمة من غزة إلى كامل المركز المالي للبنك.

الاستثمارات والشراكات الدولية تعزز الثقة بالبنك

على صعيد جذب الاستثمارات، أظهرت بيانات البنك أنه نجح في تعزيز قاعدته الرأسمالية عبر استثمارات وشراكات مع مؤسسات دولية ومحلية. ففي عام 2024، شاركت مؤسسات مثل مؤسسة التمويل الدولية والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية في إصدار خاص للأسهم بقيمة 34 مليون دولار، كما أعلن البنك عن استثمارات إضافية من مؤسسات وشركات أخرى، إلى جانب اتفاقيات خطوط تمويل وضمانات لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

وفي عام 2025، واصل البنك تعزيز رأسماله، إذ أعلن أن "بروباركو" رفعت حصتها عبر استثمار إضافي، مع مشاركة مؤسسات دولية أخرى للحفاظ على نسب ملكيتها، بالتزامن مع توجه البنك للتوسع الإقليمي وفتح مكتب تمثيلي في القاهرة، والعمل على مسار ترخيص في سوق أبوظبي العالمي، بما يفتح أمامه فرصًا لتنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على السوق المحلي وحده.

ويفسر أبو جياب هذا الجانب بالقول إن البيئة السياسية والاقتصادية الفلسطينية "ليست جديدة" على البنك أو على المستثمرين والمودعين، وبالتالي فإن المخاطر محسوبة مسبقًا، والتحوط جزء من سلوك الأطراف المتعاملة مع البنك. وبمعنى اقتصادي، فإن البنك لم يبنِ علاقته مع السوق على افتراض الاستقرار الكامل، بل على إدارة بيئة متقلبة بصورة مستمرة.

التحول الرقمي كأداة للصمود المصرفي في غزة

كما برز التحول الرقمي باعتباره أحد عناصر الصمود. فمع تضرر الفروع وتعطل الوصول إلى النقد، أصبحت القنوات الرقمية والمحافظ الإلكترونية أكثر أهمية في تخفيف أثر الأزمة. وأشار البنك الدولي إلى أن استخدام المحافظ الإلكترونية في غزة توسع بصورة كبيرة، متجاوزًا 530 ألف محفظة، مع أرصدة قائمة تخطت 40 مليون دولار في شباط/ فبراير 2025، في ظل شح النقد وتضرر البنية المصرفية.

وهنا يلتقي التحليل الميداني مع استراتيجية بنك فلسطين المعلنة في التحول الرقمي، إذ أشار البنك إلى أن ذراعه في التكنولوجيا المالية "PalPay" لعبت دورًا في الرقمنة والشمول المالي في غزة والضفة، خصوصًا خلال الظروف التي تراجعت فيها القدرة على الاعتماد على وسائل الدفع التقليدية.

لكن هذا الصمود لا يلغي حجم المخاطر المحيطة. فالأزمة النقدية في غزة لا تزال تمثل تحديًا خطيرًا، إذ أفادت تقارير صحفية دولية بأن السكان واجهوا صعوبات كبيرة في الحصول على النقد بعد إعادة فتح بعض البنوك، بسبب القيود على إدخال الأوراق النقدية وتضرر البنية المصرفية، ما دفع كثيرين إلى الاعتماد على المعاملات الإلكترونية أو دفع عمولات مرتفعة للحصول على السيولة.

كما أن القطاع المصرفي الفلسطيني عمومًا يعمل في بيئة اقتصادية ضاغطة؛ فقد أشار البنك الدولي إلى تدهور ربحية القطاع المصرفي في 2024 نتيجة ارتفاع المخصصات وتباطؤ الإقراض، إلى جانب ارتفاع الانكشاف على القطاع العام، وهو ما يزيد حساسية البنوك تجاه الأزمات المالية والسياسية العامة.

تجربة قابلة للدراسة للمؤسسات المصرفية الفلسطينية

انطلاقًا من ذلك، يمكن النظر إلى تجربة بنك فلسطين بوصفها نموذجًا لإدارة الصدمات، لا لأنها خالية من الخسائر، بل لأنها أظهرت قدرة على حماية الوظائف الأساسية للمؤسسة: السيولة، الملاءة، الثقة، استمرارية الأعمال، والعلاقة مع المستثمرين. وهذا ما يؤكده أبو جياب حين يقول إن التجربة "نموذج لإدارة المخاطر والعمل في ظل غياب الأمان والبيئة المصرفية الطبيعية".

وتتمثل الدروس الأبرز من هذه التجربة في أهمية بناء مخصصات كافية قبل تفاقم المخاطر، والمحافظة على نسب سيولة مرتفعة، وتوسيع القنوات الرقمية، وتنويع مصادر التمويل والدخل، وتطوير خطط استمرارية الأعمال، وتعزيز الحوكمة بما يسمح باتخاذ قرارات سريعة في بيئة متغيرة.

وبذلك، لا تبدو تجربة بنك فلسطين مجرد حالة مصرفية خاصة، بل مدخلًا لفهم قدرة المؤسسات الفلسطينية على البقاء في اقتصاد يعمل تحت الحرب والقيود واللايقين. فالصمود المصرفي هنا لم يكن نتيجة عامل واحد، بل نتيجة تداخل بين قاعدة مالية قوية، إدارة مخاطر نشطة، ثقة متراكمة، علاقات دولية، وانتقال تدريجي نحو أدوات دفع رقمية أصبحت جزءًا من بنية النجاة الاقتصادية في غزة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء