كيف يساهم إدماج المواطنين في تطوير أداء الهيئات المحلية؟
تناول برنامج "قضايا في المواطنة"، الذي يُبث عبر شبكة "راية" الإعلامية، في حلقة جديدة ومفصلة ملفاً محورياً تحت عنوان: "كيف يساهم إدماج المواطنين في تطوير أداء الهيئات المحلية".
واستضافت الحلقة أربع شخصيات بارزة في قطاع الحكم المحلي، حيث جرى استعراض تجارب بلدياتهم ورؤية الصندوق الموجهة لإشراك المجتمع في صنع القرار، وتحويل المواطن من مجرد "متلقٍ للخدمة" إلى "شريك حقيقي في التنمية والمساءلة".
حازم القواسمي (مدير العمليات في صندوق تطوير وإقراض الهيئات المحلية)
القواسمي استهل حديثه حول "قضايا في المواطنة"، قائلا إن هذا البرنامج يمثل منصة حوارية ضرورية لإيصال المعلومات للجمهور حول أدوار صندوق البلديات والبلديات نفسها.
وشدد على أنه دون إعلام الناس وإخبارهم وإشراكهم في كافة مراحل العمل—بدءاً من الإعلان عن أي مشروع، مروراً بالتخطيط والعمل، وصولاً إلى الإعلام بالإنجاز وسماع الآراء والشكاوى—فلن يتمكن المواطن من التجاوب مع البلدية بالشكل المطلوب.
وأوضح أن المواطن إذا لم يشعر بأن الرسوم التي يدفعها تترجم إلى خدمات ملموسة تلبّي احتياجاته، فإنه سيمتنع عن الدفع. الثقة المتبادلة هي التي تعزز ثقافة الالتزام بالدفع، بينما يؤدي غيابها إلى ترسيخ ثقافة الامتناع.
وأشار إلى أن الصندوق، منذ نحو عشر سنوات، يمنح أولوية قصوى لموضوعات المشاركة المجتمعية، المساءلة المجتمعيه، والدمج الاجتماعي بمفاهيمها العلمية والتقنية. واعتبر إشراك المواطن وإعلامه بالخطط واجباً على البلدية، كما أن على المواطن واجباً في تلبية الدعوة والمبادرة والمساعدة.
وأوضح القواسمي أن الصندوق يتعامل مع كافة الهيئات المحلية في الضفة الغربية وقطاع غزة بمسطرة واحدة (معبراً عن أمله في العودة القريبة للعمل مع 25 بلدية في غزة وبناء ما دمرته الحرب بالتواصل مع البلديات المنتخبة كدير البلح).

وبيّن أن الصندوق لا يمثل سلطة محاسبة أو أداة إملاءات، بل هو شريك داعم ومساند يحفز البلديات عبر "المال والتصنيف"؛ فكلما استجابت البلدية لمتطلبات الصندوق في إشراك المواطنين، والتخطيط الاستراتيجي التشاركي، وتلقي الشكاوى والاستجابة لها، ترقت في التصنيف (A, B, C) وحصلت على مخصصات مالية أكبر.
وأعلن أن الأشهر القادمة ستشهد إطلاق ورشات عمل في 138 بلدية بالضفة الغربية لإعداد الخطط الاستراتيجية للأعوام الأربعة القادمة للمجالس البلدية الجديدة، وسيكون شرطاً أساسياً للتمويل إشراك المجتمع المحلي بكل فئاته (شباب، نساء، أطفال، ذوو احتياجات خاصة، مسنون) لتحديد أولوياتهم وصياغة احتياجاتهم بالتعاون مع مستشارين ومؤسسات مجتمع مدني غير ربحية مثل مؤسسة "ريفورم".
وختم بالتشديد على كلمة واحدة أساسية للمستقبل: "تواصلوا، تواصلوا، تواصلوا".
مجدي العدرة (رئيس بلدية تجمع خلة المية)
وأشار العدرة إلى أن آليات تعزيز مفاهيم المشاركة المجتمعية والدمج تختلف من هيئة محلية إلى أخرى تبعاً للثقافة المجتمعية والظروف الخاصة بكل منطقة.
وأوضح أن واقع بلدية خلة المية (التي تمتد على مساحة 20 ألف دونم وتضم 10 آلاف نسمة على أطراف محافظة الخليل ومحاذاة مسافر يطا) يفرض تحديات استثنائية بسبب تصنيفات مناطق (ج) والاعتداءات المتضاعفة للاحتلال والمستوطنين، مما جعل دور البلدية يتعدى تقديم الخدمات التقليدية إلى تعزيز صمود المواطن على الأرض.
وشدد على أن إشراك المجتمع المحلي بكافة قطاعاته في القرار، والمساءلة، والمكاشفة يجب أن يتوج كمخرج حقيقي مشترك في الخطة الاستراتيجية للبلدية لتوجيه التنمية المستدامة ومحاربة الفقر وتحسين جودة الحياة.
واستعرض تطبيق بروتوكول الحوكمة الشاملة عبر التفكير مع المواطنين لتقليص الفجوات بين سكان مركز التجمع وسكان الأطراف؛ حيث تم إطلاق "عيادات صحية متنقلة" لتوفير الرعاية الطبية للنساء في المناطق النائية ومناطق (ج)، إضافة إلى تفعيل التعليم عن بُعد، وتأهيل المرافق لتناسب ذوي الهمم والاحتياجات الخاصة.
وأشار إلى أن البلدية أدرجت لأول مرة في موازنة عام 2026 بنداً خاصاً بالحوكمة المحلية الشاملة.

وبيّن العدرة أنه يقضي شخصياً معدل ثلاثة أيام أسبوعياً في مركز خدمة الجمهور للتعامل المباشر مع المواطنين كموظف، إلى جانب النزول الميداني للتعايش مع المزارعين ورعاة الأغنام في مسافر يطا لفهم احتياجاتهم قبل صياغتها مع مستشاري التخطيط الاستراتيجي.
واستذكر قيام البلدية في الدورة السابقة (قبل شهر رمضان) بعقد لقاء "مساءلة مجتمعية ومكاشفة مفتوحة" في ملعب البلدية بحضور مئات المواطنين للإجابة عن كافة الأسئلة المالية والإدارية والمشاريع المنفذة طيلة 4 سنوات، مؤكداً أن هذه الشفافية والقرب هما ما يفسران حصد المجلس للأغلبية الساحقة في الانتخابات لاحقاً؛ فالناس تمنح ثقتها للمسؤول القريب الذي يمنحهم مساحتهم التشاركية.
ونوه بأن من أكبر التحديات التي تواجه الهيئات المحلية هي المخرجات الانتخابية القائمة على أساس عشائري أو مناطقي أو حزبي، والتي قد تؤثر على انسجام المجالس البلدية وتعيق تشكيلها أحياناً إذا كان الهدف مجرد الوصول إلى الكرسي دون رؤية واضحة، مشدداً على أهمية وعي المجتمع في الاختيار والمتابعة. لافتاً إلى أن استخدام السوشيال ميديا والإعلام الحديث يسهل اليوم الاستماع للشكاوى والنصائح بشكل مرن وسريع.
رنا حبايب (مدير دائرة المشاركة المجتمعية في بلدية رام الله)
وأعربت حبايب عن تثمينها لتنامي الوعي بدور المواطن بفضل برامج الصندوق ومؤسسة ريفورم.
وأوضحت أن رؤية بلدية رام الله تنطلق من أن المواطن جزء أساسي من المدينة، وأن مفهوم "الحق في المدينة" لا يقتصر على تلقي الحقوق والخدمات من البلدية، بل يشمل حق المواطن في المشاركة، وتقديم المبادرات، وإيجاد الحلول للتحديات التي تواجه مدينته، مشيرة إلى ضرورة خلق فهم متوازٍ وقنوات تواصل مشتركة لتعزيز شعور المواطن بملكيته للمدينة (Ownership).
وأكدت أنه لا توجد أداة تميزت عن غيرها، بل يتم اختيار وتصميم الأدوات (لقاءات، مجموعات بؤرية Focus Groups، استمارات، منصات رقمية) بناءً على أهداف وطبيعة كل مشروع، وهو ما يميز الحكم المحلي الحديث.
أمثلة عملية (مشروع مدينة صديقة للطفل ومشروع تحدي المدينة):
مدينة صديقة للطفل: في مشروع تأهيل الساحة الأمامية للبلدية لتكون صديقة للطفل، جرى إشراك فئات عمرية مختلفة؛ حيث وُزعت استمارات على طلبة المدارس (الصف الثامن والتاسع والعاشر) لإبداء آرائهم، وجرى إشراك أطفال الرياض عبر ألعاب "اللوجو" لتخيل مدينتهم وصياغة مجسمات عكسها مختصون في فيديو توجيهي للمصمم. كما تولى "مجلس بلدي الأطفال" دراسة المشروع وكتابة التقرير والتوصيات النهائية.
تحدي المدينة: جرى إشراك الشباب الرياديين والمبتكرين (Innovators) عبر طرح التحديات والمشاكل التي تواجه المدينة عليهم، ليقوموا بالتشاور مع موظفي البلدية والمختصين بإنتاج حلول ريادية متميزة.

وذكرت حبايب أن البلدية لا ترى في العزوف المؤقت للشباب أو غياب النساء عائقاً دائماً، إنما تحدياً يتطلب جهداً إضافياً من البلدية لبناء علاقة ثقة تراكمية؛ حيث يتم استخدام التكنولوجيا (مثل لقاءات Zoom الافتراضية) لتسهيل مشاركة الأمهات اللواتي لا يستطعن ترك أطفالهن، وتيسير مواءمة المكان هندسياً لضمان وصول الأشخاص ذوي الإعاقة. كما تعتمد البلدية على آليات تواصل نشطة كإرسال رسائل نصية قصيرة (SMS) لسكان الأحياء المستهدفة بالتنسيق مع مؤسسات المجتمع المدني، والأندية الشبابية، والجمعيات لضمان حضورهم وتقدير آرائهم.
المهندس طارق شقير (مستشار رئيس بلدية الخليل)
وقدم شقير شكره لشبكة راية وصندوق البلديات على دورهم التوعوي، مؤكداً أن مفهوم المواطنة في رؤية بلدية الخليل يتجاوز مجرد الحقوق والخدمات، ليرتكز على بناء علاقة مستدامة أساسها الشراكة، الثقة، والمسؤولية المشتركة.
وأشار إلى أن البلدية لم تعد مجرد مؤسسة خدمية تقليدية، لكنها تحولت إلى "منصات للتنمية المحلية" تستمع للمجتمع وتشركه في تحديد الأولويات وصناعة القرار.
وشدد على أن المواطن هو المصدر الحقيقي والأقدر على تحديد احتياجات الأحياء، ورصد مكامن الخلل في الخدمات، وفرص التطوير بحكم حياته اليومية. ولفت إلى أن المشاركة المجتمعية ليست عبئاً على الهيئة المحلية، بل هي أداة علمية لتحسين جودة القرار البلدي وجعله أكثر واقعية وقبولاً واستدامة.
واستعرض تجربة بلدية الخليل في إنشاء وتثبيت "لجان الأحياء" كمرجعية للعمل البلدي، مستشهداً بنموذج عملي أدت فيه لجان الأحياء في منطقة معينة إلى تعديل الأولويات الهندسية للبلدية؛ حيث فرضت اللجنة رفع أولوية مشروع توسعة شارع محدد لم يكن مدرجاً في الدرجة الأولى، وساهمت اللجنة ذاتها في حل مشاكل التوسعة ميدانياً.
وأعلن عن توجه البلدية لتعميم لجان الأحياء وإنشاء "مجلس استشاري تخصصي" يبتعد عن العمومية ويضم لجان تفاعلية تخصصية في كافة القطاعات (مثل قطاع رجال الأعمال، قطاع التعليم، القطاع الصحي) للاستفادة من خلفياتهم المهنية وانعكاسها على جودة الخدمات.

وأوضح شقير أن بلدية الخليل تمتلك منظومة شكاوى فعالة جداً تحظى بأولوية قصوى من المجلس البلدي لضمان السرعة والشفافية. وحددت البلدية سقوفاً زمنية صارمة للاستجابة والمتابعة والتنفيذ في كل قطاع، حيث يجري التعامل مع شكوى المواطن اللحظية بمثابة "أمر تنفيذي وتوجيهات مباشرة" (Order) تُلزم الطواقم بالتحرك الفوري ويُحاسب المقصرون. وقد جرى تطوير هذه المنظومة لاستقبال مقترحات تطوير الشوارع والخدمات، بهدف الانتقال الفعلي والمستدام من صياغة "بلدية تعمل للمواطن" إلى "بلدية تعمل مع المواطن".
تجدر الإشارة إلى أن "قضايا في المواطنة" هو برنامج اجتماعي تُنتجه مؤسسة REFORM ويبث عبر شبكة راية الإعلامية؛ للإسهام في الوصول إلى نظام حكم إدماجي تعددي مستجيب لاحتياجات المواطنين ومستند إلى قيم المواطنة.