من الصمود إلى التمكين: كيف تجعل الحكومة صمود المواطن سياسة دولة لا شعار مرحلة؟
منذ سنوات طويلة، يتكرر الحديث عن "تعزيز صمود المواطن" في الخطابات والبيانات والبرامج الحكومية، لكن الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه الفلسطينيون يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يتحول الصمود من شعار سياسي إلى برنامج عمل يومي يلمسه المواطن في دخله وخدماته وفرصه ومستقبله؟
فالصمود الحقيقي لا يُقاس بعدد الخطب والبيانات، بل بقدرة المواطن على البقاء في أرضه، وتأمين حياة كريمة لأسرته، والحصول على الخدمات الأساسية، ومواجهة الضغوط الاقتصادية والسياسية دون أن يُدفع إلى الهجرة أو التخلي عن أرضه.
الانتقال من سياسة الإغاثة إلى سياسة التمكين الاقتصادي
المساعدات الطارئة ضرورية في بعض الظروف، لكنها لا تصنع اقتصاداً ولا تبني مجتمعاً مستقراً.
لذلك يجب أن تتبنى الحكومة:
برامج تشغيل وطنية واسعة،
دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، توفير قروض إنتاجية ميسرة.
تشجيع الصناعات المحلية.
تحفيز الاستثمار في المناطق المهمشة.
فالمواطن الذي يمتلك فرصة عمل مستقرة أكثر قدرة على الصمود من المواطن الذي ينتظر المساعدات.
الأرض أولاً... لأن الصمود يبدأ من الحقل
في ظل الاستيطان المتسارع ومصادرة الأراضي، يجب أن تصبح حماية الأرض أولوية حكومية عليا.
وذلك من خلال:
استصلاح الأراضي المهددة.
شق الطرق الزراعية.
دعم مشاريع الري والحصاد المائي.
توفير الأشتال والمدخلات الزراعية.
دعم المزارعين في المناطق المستهدفة.
فكل دونم يُزرع هو مساحة تُحمى من المصادرة والتهميش.
برنامج وطني لتشغيل العاطلين عن العمل
بعد فقدان عشرات آلاف العمال الفلسطينيين لمصادر دخلهم، أصبحت البطالة تحدياً وطنياً لا مجرد مشكلة اقتصادية.
لذلك تحتاج الحكومة إلى:
إطلاق برنامج تشغيل وطني مؤقت.
ربط التشغيل بمشاريع البنية التحتية.
تشغيل الشباب في مشاريع استصلاح الأراضي.
دعم مشاريع الطاقة المتجددة.
إشراك البلديات والقطاع الخاص في خلق فرص العمل.
فالعمل ليس فقط مصدراً للدخل، بل هو حماية للاستقرار الاجتماعي أيضاً.
تعزيز صمود القرى الواقعة في خطوط المواجهة
ليست كل المناطق الفلسطينية تواجه التحديات نفسها.
هناك قرى وبلدات تعيش يومياً تحت ضغط الاستيطان والجدار والحواجز والاعتداءات.
لذلك يجب اعتماد:
موازنات تنموية تفضيلية للمناطق الأكثر استهدافاً.
إعفاءات وحوافز استثمارية.
أولوية في المشاريع الحكومية.
دعم مباشر للمزارعين والأسر المتضررة.
فالعدالة التنموية تقتضي توجيه الموارد إلى حيث تشتد الحاجة.
الأمن المائي والغذائي كجزء من الأمن الوطني
لا يمكن الحديث عن الصمود في ظل أزمات المياه وارتفاع أسعار الغذاء.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى:
حماية مصادر المياه.
إنشاء خزانات وسدود صغيرة.
تشجيع الزراعة المنزلية والريفية.
دعم الإنتاج الزراعي المحلي.
تقليل الاعتماد على الواردات قدر الإمكان.
فالمجتمع القادر على إنتاج غذائه ومياهه أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.
التعليم والتدريب المهني بوابة المستقبل
الصمود لا يعني فقط البقاء، بل القدرة على التطور.
ولهذا يجب:
تطوير التعليم المهني والتقني.
ربط التعليم بسوق العمل.
دعم التدريب في مجالات التكنولوجيا والطاقة والزراعة الحديثة.
تشجيع ريادة الأعمال بين الشباب.
فالاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة.
بناء شراكة حقيقية مع البلديات والمجتمع المحلي
الحكومة وحدها لا تستطيع تحقيق التنمية.
لذلك يجب:
منح البلديات صلاحيات أوسع.
دعم المبادرات المجتمعية.
إشراك المواطنين في تحديد الأولويات.
تعزيز الشفافية والمساءلة.
فكلما اقترب القرار من المواطن أصبحت التنمية أكثر فاعلية.
تحويل الصمود إلى مؤشر حكومي قابل للقياس
لكي يصبح الصمود سياسة فعلية، يجب أن يكون له مؤشرات واضحة مثل:
نسبة البطالة.
عدد المشاريع الإنتاجية.
مساحة الأراضي المستصلحة.
عدد الأسر المستفيدة من برامج التمكين.
حجم الاستثمارات الجديدة.
نسبة الهجرة الداخلية والخارجية.
فما لا يمكن قياسه لا يمكن تطويره.
الصمود يحتاج إلى سياسات لا شعارات
في المرحلة الراهنة، لم يعد المواطن الفلسطيني بحاجة إلى مزيد من الخطابات التي تتحدث عن الصمود، بل إلى سياسات اقتصادية وتنموية واجتماعية تجعل الصمود ممكناً ومستداماً.
فالصمود ليس أن يظل المواطن متحملاً للأزمات فحسب، بل أن يمتلك القدرة على العيش الكريم والإنتاج والبناء فوق أرضه.
وعندما تصبح الوظيفة، والأرض المزروعة، والمياه المتاحة، والتعليم الجيد، والمشروع المنتج، جزءاً من السياسة الحكومية اليومية، عندها فقط يتحول الصمود من شعار يُرفع في المناسبات إلى واقع يعيشه المواطن كل يوم.