القدس التي أصبحت أغلى من أبنائها
الباب الأول: من أزمة السكن إلى أزمة البقاء
"أين سنسكن؟"
قد يبدو هذا السؤال عادياً في أي مدينة أخرى، لكنه في القدس أصبح واحداً من أكثر الأسئلة إلحاحاً وإيلاماً. يتردد على ألسنة الشباب المقبلين على الزواج، والأسر التي تحاول تأمين مستقبل أبنائها، والمتقاعدين الذين أفنوا أعمارهم في العمل والخدمة العامة.
أكتب هذه السطور كمقدسي عاش في هذه المدينة أكثر من ستة عقود، وعمل في التعليم والتنمية والعمل الدولي، وشهد التحولات الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية التي مرت بها القدس جيلاً بعد جيل. وأكتبها أيضاً كمواطن ما زال يعيش تجربة الإيجار، وحاول كما يحاول آلاف الآباء أن يساعد أبناءه على تأمين مستقبلهم في مدينة أصبحت كلفة العيش فيها ترتفع أسرع من قدرة أبنائها على الاحتمال.
في البداية ظننت أن أزمة القدس هي أزمة أسعار شقق فقط ولكن كلما تعمقت أكثر، اكتشفت أن ما نواجهه اليوم ليس أزمة عقارية فحسب، بل منظومة كاملة من الأزمات المتشابكة: أزمة أرض، وأزمة بناء، وأزمة تمويل، وأزمة خدمات، وأزمة تخطيط، وأزمة هوية، ازمة صمود، ازمة ضمير، ازمة سماسرة وعقود، ازمة عمال ودولار وشيكا ودينار وبالمحصلة أزمة بقاء.
أولاً: انفلات الأسعار وسيطرة السوق
لقد تُرِكَ سوق العقار في القدس إلى حد كبير لقوى العرض والطلب، وللمطورين العقاريين والسماسرة ومالكي الأراضي والبنوك وشركات التمويل وفي غياب أي جهة مرجعية او رقابية أو تنظيمية فلسطينية أو عربية قادرة على التدخل لحماية الشباب والأسر الناشئة والقديمة، بات المالك والسمسار والمقاول هم من يحددون الأسعار، دون أي اعتبار للبعد الإنساني أو الوطني ! والنتيجة؟ تحديات وعقبات وأسعار خيالية، بل فلكية يصعب على العقل تصديقها:
لقد تجاوز متوسط سعر الشقة في القدس 2.9 مليون شيكل (حوالي 800 ألف دولار)، وقد تصل في بعض المناطق إلى أكثر من 3.2 مليون شيكل. هذا يعني أن شقة متواضعة بغرفتين أو ثلاث يمكن أن تكلف ضعف سعر فيلا كبيرة في مدن فلسطينية أخرى.
كما وسعر المتر المربع من الأرض في الأحياء المقدسية يبدأ من 50 ألف شيكل ويصل في المناطق المتميزة إلى 70 ألف شيكل فما فوق.
هذا وقد ارتفعت أسعار العقارات في القدس بنسبة 6.4% خلال النصف الأول من عام 2025 وحده، وبمعدل 8.9% خلال العام الماضي بأكمله ولم يعد امتلاك منزل يعتمد على العمل والاجتهاد فقط، بل أصبح مرتبطاً بالإرث العائلي أو بيع أملاك سابقة أو الاقتراض طويل الأمد أو الحصول على دعم استثنائي من العائلة – إن وجد أصلا وهذا شبه مستحيل في ظل الظروف الراهنة والطاردة لفكرة البقاء والصمود والاستمرار في الحفاظ على الهوية في القدس .
ثانياً: الإيجارات.. نزيف يومي بلا توقف
أما سوق الإيجارات فله قصة أخرى أكثر إيلاماً، لأنه يمس حياة المقدسي يومياً. الإيجارات في القدس بلغت مستويات تستنزف دخل الأسر بصورة متزايدة، والعقود السنوية القصيرة أصبحت مصدر قلق دائم للمستأجرين وما زاد الطين بلة هو ان عدداً من الملاك يفضلون تأجير العقارات للمؤسسات الدولية والبعثات الأجنبية والشركات القادرة على الدفع بمبالغ مرتفعة جدا وبشروط مريحة، بينما يجد المواطن المقدسي نفسه في منافسة غير متكافئة مع جهات تمتلك قدرات مالية أكبر بكثير من قدرته.
ومن الظواهر اللافتة أيضاً أن بعض أصحاب العقارات المميزة في أحياء مثل الشيخ جراح وحي القناصل ومحيط الفنادق أصبحوا يؤجرون منازلهم بمبالغ مرتفعة للمؤسسات الدولية أو الدبلوماسية، ثم ينتقلون للسكن في أحياء أخرى داخل القدس أو خارجها، ومن حق المالك بالطبع أن يستفيد من ملكه، لكن هذه الظاهرة تسهم في رفع الأسعار وتغيير طبيعة السوق العقارية، بحيث تصبح الأسعار مرتبطة أكثر بقدرة المؤسسات الأجنبية ، ومؤخرًا دولة الاحتلال التي توسعت في استئجار عدد من المساكن الجديدة في احياء مثل شعفاط وبيت حنينا مثل المراكز الجماهيرية، صناديق التامين الصحي، مكاتب خدمات التامين الوطني على الدفع منها بقدرة السكان المحليين على السكن.
ثالثاً: انهيار الدولار.. الصدمة الخفية
وفي خضم هذه الأزيمة، جاءت صدمة اقتصادية أخرى لم يحسب لها الكثيرون حساباً: الانهيار الحاد لسعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الشيكل الإسرائيلي.
ففي مايو 2026، وصل سعر صرف الدولار إلى أدنى مستوى له منذ 30 عاماً، متجاوزاً حاجز 2.86 شيكل للدولار الواحد. هذا يعني انخفاضاً بأكثر من 20% عما كان عليه الحال قبل سنوات قليلة، عندما كان الدولار يساوي حوالي 3.6 شيكل وأكثر.
وللوهلة الأولى، قد يبدو هذا مجرد رقم في النشرات الاقتصادية لكن تأثيره على القدرة الشرائية للمقدسيين كان مدمراً:
· ارتفاع الأقساط بالشيكل: كل من حصل على قرض سكني مرتبط بالدولار – وهذا حال الكثير من المشاريع السكنية الممولة عربياً أو دولياً – وجد أقساطه الشهرية ترتفع فجأة بنسبة تزيد على 20%، لأن القسط يُحتسب بالدولار ثم يُحول إلى شيكل بسعر الصرف الجديد.
· تراجع قيمة التحويلات المالية: العائلات المقدسية التي تعتمد على تحويلات من أقاربها في الخارج (خاصة من أمريكا ودول الخليج) وجدت أن الدولار الذي يصلها لم يعد يشتري ما كان يشتريه قبل سنوات. المبلغ نفسه بالدولار أصبح يساوي شيكلات أقل بكثير.
· تأثير مضاعف على تكاليف البناء: ارتفاع قيمة الشيكل جعل مواد البناء المستوردة (التي تسعر بالدولار) أكثر تكلفة بالعملة المحلية، مما زاد من أعباء البناء وساهم في رفع الأسعار النهائية للشقق ونقص العمالة الفلسطينية بسبب منع العمال من الضفة الغربية بالدخول إلى اسراءيل واستبدالهم بالعمال الاجانب بكلفة خيالية مربوطة بقيمة الدولار الأمريكي
وهكذا تحول انهيار الدولار من خبر اقتصادي عابر إلى كارثة يومية تضرب قدرة المقدسي على الشراء والبناء والبقاء.
رابعاً: فجوة التصاريح وسياسة الهدم الممنهجة
لكن أزمة القدس ليست أزمة أسعار فقط إنها أيضاً أزمة سياسة وتخطيط عمراني متعمد.
ففي عام 2025 وحده، كشفت معطيات جمعية "بمكوم" أن نسبة الوحدات السكنية المصدق عليها للفلسطينيين لم تتجاوز 7% فقط من إجمالي مشاريع البناء في القدس. أي 600 وحدة للفلسطينيين مقابل 9,000 وحدة للمستوطنين، رغم أن الفلسطينيين يشكلون حوالي 40% من سكان المدينة.
بل أكثر من ذلك: تصل نسبة رفض طلبات تصاريح البناء المقدمة من الفلسطينيين إلى 93%، بينما تمر طلبات المستوطنين بسلاسة وتيرة. وهذا ما يفسر الفجوة التراكمية الهائلة: تشير تقديرات إلى أن القدس الشرقية بحاجة فورية إلى حوالي 25,000 وحدة سكنية لمواكبة النمو الطبيعي للسكان.
وفي مقابل هذا الشح في التصاريح، تتواصل سياسة الهدم بوتيرة غير مسبوقة. فخلال تسعة أشهر فقط من عام 2025، هُدمت 1,288 منشأة فلسطينية في القدس الشرقية والضفة الغربية بدعوى نقص التصاريح – أي بمعدل 4.7 هدم يومياً. وفي القدس وحدها، بلغ عدد المنازل الفلسطينية المهدمة عام 2024 حوالي 243 منزلاً، وهو الأعلى منذ عام 1967، وتصاعد الرقم ليصل إلى 397 حالة هدم في القدس والضفة عام 2025.
ويقدّر ناصر الحدمي، رئيس حملة القدس ضد الهدم والتهويد، وجود 35,000 وحدة سكنية غير مرخصة تؤوي 180,000 فلسطيني، وهي عرضة للهدم في أي لحظة.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد إجراءات بيروقراطية. إنها تعكس سياسة ممنهجة، كما يصفها المسؤولون الفلسطينيون، تهدف إلى تقليص البناء الفلسطيني وتقييد النمو الطبيعي ودفع السكان تدريجياً نحو مغادرة المدينة.
خامساً: جدار الفصل وإعادة رسم الخريطة السكنية
وقد زادت الأمور تعقيداً مع بناء جدار الفصل الذي أعاد رسم الخريطة السكنية للقدس بصورة عميقة. يمتد الجدار حول القدس لمسافة 140 كيلومتراً، ويقتطع 144 ألف دونم (تشكل 42% من أراضي محافظة القدس) ويعزلها عن محيطها الفلسطيني.
ونتيجة لذلك، انتقلت أعداد كبيرة من السكان إلى مناطق مثل كفر عقب ومخيم شعفاط والرام وعناتا وحزما والزعيم وغيرها، حيث الأسعار أقل نسبياً، لكن الخدمات أضعف، والبنية التحتية أكثر هشاشة، والحياة اليومية أكثر تعقيداً.
وبالنسبة للكثيرين، لم يكن الانتقال إلى هذه المناطق خياراً مثالياً، بل ضرورة فرضتها الأسعار المرتفعة وضيق الخيارات داخل المدينة. لكن هذه الضرورة جاءت محملة بمخاوف تتعلق بالإقامة وإثبات مركز الحياة والوصول إلى الخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية.
وفي عام 2025 وحده، تم تهجير 13 تجمعاً بدوياً فلسطينياً تضم 197 عائلة (حوالي 1090 فرداً)، كجزء من سياسة مطردة لتقليص الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة "غربي الجدار".
سادساً: تفكك شبكة الأمان.. أين دور العالم؟
وفي خضم هذه الأجواء المضطربة، تبرز حقيقة أكثر إيلاماً: بقي المقدسيون في مواجهة قوى السوق وحدهم وتخلى عنهم الجميع – أو كادوا.
فأين هي الصناديق العربية والإسلامية المخصصة لحماية الوجود الفلسطيني في القدس؟ كما علق وزير شؤون القدس السابق، حاتم عبد القادر، قائلاً إن "القدس لا تستفيد حتى الآن من هذه الصناديق المبعثرة نتيجة عدم وجود مرجعية وخطط ورؤى موحدة".
أين استثمارات رجال الأعمال الفلسطينيين في مشاريع إسكان ميسرة للشباب المقدسي؟
أين برامج الشتات الفلسطيني الذي نجح في بناء مؤسسات ومشاريع في عشرات دول العالم؟
أين المبادرات الوطنية التي تجعل السكن أولوية استراتيجية لا تقل أهمية عن التعليم والصحة والثقافة؟
الحقيقة المؤلمة أن وكالة بيت مال القدس، وهي إحدى الأدوات العربية القليلة التي تعنى بالمدينة، تدعم قطاع الإسكان بميزانية متواضعة لا تتجاوز 4.5 ملايين دولار سنوياً – مبلغ لا يكفي لبناء أكثر من 15-20 شقة في ظل الأسعار الحالية. ومقارنة بحجم الأزمة، فإن هذا المبلغ لا يعدو كونه قطرة في بحر.
أما الأوقاف الإسلامية، التي تمتلك تاريخاً طويلاً في حماية المجتمع المقدسي وتمتلك نحو 16% من مساحة المدينة، فتبدو اليوم عاجزة عن إنتاج حلول إسكانية حقيقية. معظم ممتلكاتها غير مستثمرة أو مؤجرة بأسعار رمزية لا تواكب الحاجة، بينما يمكن لهذه الأوقاف أن تشكل ركيزة أساسية لتوفير سكن ميسر للشباب والعائلات الناشئة.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن بعض المؤسسات الكنسية والتجمعات المسيحية في القدس نجحت بدرجات متفاوتة في توفير أشكال من الدعم السكني أو القروض الميسرة أو المشاريع السكنية التي ساعدت العديد من أبناء طوائفها على البقاء والاستقرار داخل المدينة. وإذا كان آخرون استطاعوا تطوير أدوات حماية اجتماعية وسكنية لأبنائهم، فلماذا لم ننجح نحن في بناء منظومة مشابهة على نطاق أوسع؟
سابعاً: أزمة التمويل والمعاناة اليومية
ولا يمكن فصل أزمة السكن عن أزمة التمويل. فالحصول على قرض سكني مناسب ما زال يشكل تحدياً كبيراً أمام كثير من الشباب. البنوك الإسرائيلية تفرض شروطاً معقدة وفوائد مرتفعة، والصناديق العربية والإسلامية إما غائبة أو شحيطة، والمؤسسات الفلسطينية لا تستطيع العمل في القدس بنفس القدر الذي تعمل به في الضفة الغربية.
والأمر لا يتوقف عند الحصول على القرض فقط فالكثير من المشترين يدفعون دفعات أولى ضخمة – تصل أحياناً إلى 30% من قيمة الشقة – ويوقعون عقوداً على أساس أن استلام الشقة سيتم خلال سنتين أو ثلاث سنوات، ثم يجدون أنفسهم بعد خمس أو سبع سنوات ما زالوا ينتظرون. وخلال تلك السنوات يستمرون بدفع أقساط المشروع السكني، وفي الوقت نفسه يواصلون دفع إيجار المنزل الذي يقيمون فيه.
وعندما يحتجون على التأخير، يقال لهم إن قيمة الأرض والعقار ارتفعت وإنهم أصبحوا رابحين. لكن الحقيقة أن الإنسان لا يشتري بيتاً للمضاربة أو لتحقيق الأرباح، بل ليعيش فيه ويؤسس حياة مستقرة لأسرته.
ثامناً: من أزمة بيت إلى أزمة بقاء
وهكذا نصل إلى لب المشكلة: في القدس، لم يعد الحديث يدور حول امتلاك منزل، بل حول القدرة على البقاء داخل حدود المدينة نفسها.
فحين يصبح السكن متاحاً بشروط أفضل وقروض أسهل وحوافز أكبر في أماكن أخرى (مثل رام الله أو أريحا أو حتى مدن الضفة الغربية البعيدة)، يبدأ كثيرون باتخاذ قرارات لم يكونوا ليفكروا بها قبل سنوات قليلة. وحين تُهدم منازل العائلات أو تصبح غير آمنة قانونياً، وحين ترتفع الإيجارات إلى مستويات لا تطاق، وحين تنهار العملة وتتضاعف الأقساط، يصبح الخيار الوحيد للبعض هو المغادرة.
وهكذا يتحول السكن من قضية اجتماعية إلى عامل مؤثر في إعادة تشكيل الخريطة السكانية للقدس. لا بفعل معركة سياسية واحدة، بل بيتاً بعد بيت، وأسرة بعد أسرة، وجيلاً بعد جيل.
فالمدن لا تفقد أبناءها دفعة واحدة. بل تفقدهم بيتاً بعد بيت.
خلاصة الباب الأول
ما نحتاجه اليوم هو الاعتراف بأن أزمة السكن في القدس ليست أزمة عقارية تقنية يمكن حلها بضخ بضعة ملايين. إنها أزمة بقاء وجودية تتشابك فيها السياسة والاقتصاد والتخطيط العمراني والتمويل والديمغرافيا والضرائب.
وتركت الأمور – للأسف – للمالك والسمسار والمقاول لكي يحددوا السعر حسب الطلب والعرض، دون أي رقيب أو حامي. وفي الوقت نفسه، رفعت الدول العربية والإسلامية يدها – أو بدت عاجزة – عن دعم المقدسيين بشكل حقيقي وفاعل.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يشغلنا جميعاً:
هل ستبقى القدس مدينة قادرة على احتضان أبنائها غداً؟
هذا ما سنحاول الإجابة عنه في الأبواب القادمة.
أما اليوم، فتكفي حقيقة واحدة:
في القدس، لا يبحث الإنسان عن بيت فقط... بل يبحث عن حقه في البقاء.
اللهم اشهد اني قد بلغت فهل يصلح العطار ما افسده الدهر
تحياتي ومودتي وجمعة مباركة والى اللقاء مع الباب الثاني في الأسبوع القادم باذن الله
منير قليبو
ابن القدس وابن التجربة الفلسطينية