في الجلسة الأولى للمجلس الثوري ،، حين حضرت فلسطين قبل الجميع.

2026-06-14 09:14:20

دخلت القاعة وأنا أحمل شعورًا يصعب وصفه.
فبعد سنوات طويلة من النضال والأسر والعمل الوطني، وجدت نفسي أجلس للمرة الأولى عضوًا في المجلس الثوري لحركة فتح. كنت أنظر إلى الوجوه من حولي، فلا أرى أعضاء مجلس فحسب، بل أرى حكايات كاملة. أرى سنوات من الاعتقال والمطاردة والتعب والصبر والانتظار. أرى رجالًا ونساءً حملوا فلسطين في قلوبهم قبل أن يحملوا أي صفة تنظيمية أو موقع قيادي.

في تلك اللحظة أدركت أنني لا أحضر جلسة عادية.

كنت أحضر لقاءً جمع أجيالًا مختلفة، لكن حلمها واحد. جمع أشخاصًا اختلفت تجاربهم ومساراتهم، لكنهم التقوا عند فلسطين.

قبل أن تبدأ الانتخابات وقبل أن تُفرز الأصوات، كان هناك شيء أجمل من الفوز والخسارة يملأ المكان. كانت هناك محبة حقيقية. ذلك النوع من المحبة الذي لا تصنعه المصالح، بل تصنعه السنوات الطويلة من السير في الطريق ذاته.

كانت المصافحات أكثر دفئًا من المعتاد، والابتسامات أكثر صدقًا من المعتاد، والعيون تحمل شيئًا من الفرح وشيئًا من القلق وشيئًا من الإحساس العميق بالمسؤولية. وكأن الجميع يدرك أن هذه المرحلة ليست كغيرها، وأن فلسطين التي تنزف في غزة، وتصمد في القدس، وتقاوم في الضفة، تستحق منا أكثر من الكلمات.

وفي خضم ذلك كله، كان هناك مشهد إنساني صغير في حجمه، كبير في معناه.

كان الرئيس محمود عباس يهم بمغادرة القاعة، ثم يعود إليها من جديد. يتوقف هنا، ويسأل هناك، ويصافح هذا، ويطمئن على ذاك. لم أشعر أنني أمام رئيس جاء ليشرف على جلسة وينصرف، بل أمام رجل يتفقد أبناءه. كان يعود كما يعود الأب قبل أن يغادر المنزل، يتأكد أن الجميع بخير، وأن شيئًا لم يفته، وأن أحدًا لم يشعر أنه بعيد عن المشهد.

وربما لهذا السبب كان دفء الجلسة أكبر من طابعها التنظيمي.

لم تكن القاعة في تلك اللحظات ساحة تنافس على مواقع، بل بيتًا كبيرًا يجتمع فيه أبناء تجربة واحدة، يحمل كل واحد منهم قصة مختلفة، لكنهم جميعًا يحملون الهم ذاته.

ولا أقول إن المشهد كان مثاليًا بالكامل. فالبشر بشر أينما كانوا، ولا تخلو أي تجربة من حضور بعض الحسابات الشخصية هنا أو هناك. لكن ما استوقفني حقًا أن هذه المظاهر بدت صغيرة جدًا أمام المشهد الأكبر. كانت أشبه بظلال خافتة لا تكاد تُرى أمام شمس الانتماء التي غمرت المكان.

الأغلبية الساحقة كانت تفكر بطريقة مختلفة.

كان واضحًا أن كثيرين جاؤوا وهم يسألون أنفسهم: ماذا سنعطي؟ لا ماذا سنأخذ؟

كيف نخدم الحركة؟ لا كيف تخدمنا الحركة؟

كيف نكون على قدر ثقة الناس؟ لا كيف نستثمر هذه الثقة؟

وهنا تحديدًا شعرت أن روح فتح التي عرفناها وعشناها ما زالت حاضرة. تلك الروح التي جعلت آلاف المناضلين والأسرى والشهداء يضعون الوطن قبل أنفسهم، والقضية قبل مصالحهم، والمستقبل قبل حاضرهم الشخصي.

وحين انتهت الجلسة، لم أحمل معي أسماء الفائزين بقدر ما حملت شعورًا مختلفًا.

شعورًا بأن فلسطين ما زالت قادرة على جمع أبنائها حول فكرة واحدة رغم كل ما يحيط بها من ألم.

شعورًا بأن الانتماء الحقيقي ما زال موجودًا، وأن العطاء ما زال ممكنًا، وأن المسؤولية ما زالت تجد من يحملها.

وأنا أغادر القاعة، التفتُّ حولي للمرة الأخيرة.

رأيت المقاعد وقد بدأت تفرغ.

لكنني لم أرَ مقاعد في الحقيقة.

رأيت فلسطين.

رأيتها في العيون التي لمعت بالمسؤولية.

وفي الأيدي التي امتدت بالمحبة.

وفي القلوب التي جاءت لتخدم لا لتُخدم.

عندها فقط فهمت أن أجمل ما في ذلك اليوم لم يكن ما جرى من انتخابات، بل ما شعرت به من يقين أن هذا الوطن، رغم كل ما يمر به، ما زال يملك رجالًا ونساءً يؤمنون أن فلسطين تستحق أن نعطيها أكثر مما أخذنا منها.

وأن الطريق، مهما طال، ما زال مليئًا بأولئك الذين يحملون الحلم نفسه، ويواصلون السير.