إلى سلطة النقد الفلسطينية والبنوك : نحن منكوبون... فلماذا لا تعترفو بنكبتنا؟
"مراقبة الألم من وراء الزجاج شيءٌ مضحك... كالأطرش الذي يسمع موسيقى."
في الوقت الذي يعيش فيه المواطنون تحت وطأة الحرب والدمار، وفقدان البيوت ومصادر الرزق والأمان، نتوجه اليوم إلى سلطة النقد الفلسطينية، وإلى إدارات البنوك، وإلى أصحاب القرار كافة، لننقل معاناة آلاف المواطنين الذين فوجئوا بعبءٍ جديد أضيف إلى أوجاعهم، وكأن ما أصابهم من نكبة لم يكن كافيًا.
فبحسب ما تم إبلاغ العديد من المقترضين، جرى فتح ما يُسمى بـ"الحساب الجاري المدين المؤقت" لتسديد الأقساط المتأخرة للقروض الأصلية، ليجد المواطن نفسه أمام دينٍ جديد يُنشأ لسداد دينٍ قديم، بفوائد إضافية وأعباء مالية متراكمة، بينما يستمر القرض الأصلي قائمًا بفوائده ومدته الممتدة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أصبحت أي مستحقات مالية تدخل إلى حساب الموظف عرضة للاحتجاز والاستيفاء لصالح هذا الرصيد المدين، حتى وإن كانت تمثل حقًا ماليًا أو مصدر رزقٍ تعوّل عليه أسرة بأكملها. وفي حال كانت المبالغ الواردة كافية، يتم اقتطاعها لصالح هذا الدين، ثم يُستأنف الخصم للقرض الأصلي. أما إذا لم تكفِ المبالغ أو استمرت الرواتب تُصرف بنسبة مخفضة، فتُفتح حسابات مدينة جديدة، لتتكرر المديونية وتدور الحلقة ذاتها بلا نهاية واضحة.
ولتبسيط الصورة، فإن موظفًا اقترض 35 ألف دولار عام 2020، وكان من المفترض أن ينتهي من السداد عام 2026، قد يجد نفسه اليوم مطالبًا بسداد ما يقارب 50 ألف دولار، مع تمديد فترة السداد حتى عام 2030 أو أكثر، وسط تساؤل مشروع ومؤلم: أين ذهبت سنوات الالتزام والأقساط التي دُفعت قبل وقوع الكارثة؟
الأكثر إيلامًا أن كثيرًا من المواطنين اقترضوا لبناء منازل تؤوي أبناءهم وتحفظ كرامتهم، لكن الحرب هدمت تلك المنازل، وبقيت الديون قائمة، وكأن المطلوب منهم دفع فوائد وأقساط على بيوت لم تعد موجودة أصلًا.
إننا نتساءل أمام سلطة النقد والبنوك وأصحاب القرار: هل يُعقل أن يتحمل المواطن المنكوب أعباء الحرب والدمار، ثم يُحمّل فوقها أعباء مالية جديدة تزيد من معاناته وتستنزف ما تبقى لديه من قدرة على الصمود؟
وفي كثيرٍ من دول العالم، عندما تتعرض الشعوب للحروب والكوارث والنكبات الكبرى، لا يُترك المواطن وحيدًا في مواجهة أعبائه المالية، بل تُتخذ إجراءات استثنائية تراعي حجم الكارثة، كتأجيل الأقساط والالتزامات المالية والضريبية إلى حين تعافي المجتمع وعودة عجلة الحياة إلى طبيعتها. وفي بعض الحالات، تُحال ملفات المتضررين إلى برامج وصناديق ولجان الإعمار والتعويض بعد انتهاء الحرب، باعتبار أن إعادة بناء الإنسان والمسكن والحياة أولى من ملاحقة المنكوبين بديون وفوائد إضافية وهم ما زالوا يعيشون تحت آثار الدمار.
أما أن يُطالب المواطن الذي فقد منزله أو مصدر رزقه أو استقراره بمزيدٍ من الديون والأعباء المالية في ذروة النكبة، فذلك يضاعف معاناته ويُثقل جراحًا لم تندمل بعد.
إن الموظفين والمتضررين ليسوا أرقامًا في كشوفات مالية، ولا ملفات جامدة على مكاتب البنوك. إنهم بشر فقدوا بيوتهم وأمنهم واستقرارهم، وخسر كثير منهم مصادر دخلهم وممتلكاتهم، ويعيشون ظروفًا استثنائية تستوجب حلولًا استثنائية تقوم على العدالة والمسؤولية الاجتماعية والإنسانية.
ومن هنا، فإننا نناشد سلطة النقد الفلسطينية والبنوك وأصحاب القرار التدخل العاجل لإيجاد معالجات عادلة وإنسانية تراعي حجم الكارثة التي يعيشها المواطنون، وتحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية للمتضررين.
إننا لا نطلب امتيازات، ولا نسعى إلى إعفاءات استثنائية خارج إطار القانون، بل نطالب بالاعتراف بحقيقة ما نعيشه، وبإجراءات عادلة تراعي حجم الكارثة التي ألمّت بالناس، وتحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية لمن أنهكتهم الحرب وأثقلتهم الديون، سواء عبر تأجيل الالتزامات المالية، أو وقف الفوائد والغرامات الاستثنائية، أو إيجاد معالجات عادلة ترتبط ببرامج الإعمار والتعويض بعد انتهاء هذه الكارثة.
قليلٌ من الفهم... وقليلٌ من الاستيعاب... وقليلٌ من الخجل أمام هذا الوجع...
فالعدالة الحقيقية لا تُقاس بقدرة الناس على السداد، بل بقدرة المؤسسات على فهم حجم الكارثة التي يعيشها الناس.
واليوم يرفع المتضررون سؤالًا مؤلمًا ومشروعًا إلى سلطة النقد والبنوك وأصحاب القرار:
نحن منكوبون... فلماذا لا يعترف أحد بنكبتنا؟
نحن منكوبون... فهل من يسمع؟