نقطة ضوء: التوجيهي ليس حقل تجارب !
في الدول التي تحترم التعليم، لا تُتخذ القرارات المصيرية على عجل، ولا تُفرض التغييرات الكبرى دون إعداد كافٍ ودراسة دقيقة. أما حين يغيب التخطيط السليم، فإن الطلبة وأسرهم يصبحون أول من يدفع ثمن الأخطاء والارتجال.
ما جرى اليوم في الامتحان الإلكتروني التجريبي لمبحث التربية الإسلامية ، لم يكن مجرد خلل تقني عابر، بل كشف عن ثغرات حقيقية في التخطيط والاستعداد لخطوة تمس مستقبل نحو تسعين ألف طالب وطالبة من طلبة الثانوية العامة.
فقد تم تحديد موعد الامتحان في يوم عطلة رسمية، وعندما واجه آلاف الطلبة صعوبات في الدخول إلى المنصة الإلكترونية، وجدوا أنفسهم دون جهة قادرة على تقديم المساعدة أو الدعم الفني في الوقت المناسب. وهنا يبرز سؤال مشروع: كيف يُعقد امتحان تجريبي بهذا الحجم دون توفير منظومة دعم فني جاهزة للتعامل مع أي طارئ قد يحدث؟ .
وكان من الأولى، قبل اتخاذ قرار بهذا المستوى من الحساسية، أن تُختبر البنية التقنية بصورة شاملة، وأن توضع خطط بديلة لمواجهة الأعطال المحتملة، وأن يُضمن توفير التجهيزات اللازمة في جميع المدارس. فالنجاح في التحول الرقمي لا يتحقق بإصدار القرارات، بل بحسن الإعداد لها وتوفير مقومات نجاحها.
الأمر لا يتعلق بامتحان عادي يمكن تجاوز آثاره بسهولة، بل بطلبة يقفون على أعتاب واحدة من أهم المراحل في حياتهم التعليمية. هؤلاء الطلبة يعيشون أصلاً حالة من الضغط والقلق الطبيعيين قبيل الامتحانات، ويحتاجون إلى بيئة مستقرة تمنحهم الثقة والطمأنينة، لا إلى قرارات مفاجئة تزيد من توترهم وتضاعف مخاوفهم.
ومن المؤسف أن كثيراً من الأهالي وجدوا أنفسهم، خلال الأيام الماضية، مطالبين بأداء دور إضافي في احتواء القلق النفسي الذي تولد لدى أبنائهم نتيجة حالة الإرباك التي رافقت التجربة. فبدلاً من أن يشعر الطلبة بأن الأمور تسير وفق خطة واضحة ومدروسة، وجدوا أنفسهم أمام تجربة لم تحقق أهدافها، وانتهت باعتذار رسمي عن الخلل الذي وقع.
إن الاعتراف بالمشكلة خطوة مطلوبة، لكن الأهم هو استخلاص الدروس منها. فالتطوير التكنولوجي في التعليم هدف وطني مهم، ولا أحد يعارض مواكبة التطور والاستفادة من الأدوات الحديثة، لكن نجاح أي مشروع تعليمي مرتبط بمدى جاهزية البنية التحتية، وكفاءة التنفيذ، ووضوح الرؤية، وثقة الطلبة وأولياء الأمور.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس الإصرار على تكرار التجربة بالآليات ذاتها، بل إجراء مراجعة جادة وشاملة لكل ما حدث، والتأكد من معالجة مواطن الخلل قبل المضي قدماً. فالتوجيهي ليس ساحة للتجريب، ولا يحتمل القرارات المتسرعة أو الحسابات غير الدقيقة.
إن مستقبل الطلبة، وحصاد اثني عشر عاماً من الجهد والتعب، أكبر من أن يُترك رهينة أعطال تقنية أو قرارات غير مكتملة الإعداد. ومن حق كل طالب وطالبة أن يدخلوا امتحاناتهم وهم مطمئنون إلى أن الجهة المسؤولة عنهم قد أنجزت واجبها كاملاً في التخطيط والاستعداد، وأن مستقبلهم لن يكون موضوعاً لتجارب متعجلة أو رهانات غير محسوبة.
فالتعليم أمانة، والطلبة أمانة، ومن واجب الجميع أن يتعاملوا مع هذه الأمانة بأعلى درجات المسؤولية والحكمة والاحترام.