رَشَا، ظَبْيَةُ فِلَسْطِينِ الَّتِي لَا تهاجرولا تَغِيبُ

2026-06-16 21:02:38

في عالمٍ تتنقّل فيه الطيور بين الفصول، وتهاجر الظباء بحثًا عن الدفء والماء والمراعي، تبقى طيور وظباء فلسطين حالةً استثنائية لا تشبه سواها. فهي لا تعرف الغياب كما يعرفه الآخرون، ولا تغادر الأرض كما تغادرها الكائنات الأخرى، بل تبدو متجذّرة فيها كجذور الزيتون، ثابتة رغم الريح، وحاضرة رغم التحوّل. وكأن هذه الأرض، بما تحمله من ذاكرةٍ وهوية، لا تسمح لها إلا بالبقاء.

رشا، ظبيتي الغزية، ليست مجرد اسم عابر مرّ في الذاكرة ثم استقر هناك، وليست لحظة يمكن أن تُغلق كما تُغلق الصفحات، بل هي حالة من الحضور الذي لا يطلب إذنًا ليبقى، كأنه يسكن الداخل بهدوء ويعيد تشكيل طريقة النظر إلى الأشياء دون أن يعلن عن نفسه.

ومع الوقت، لم تعد ظبيتي الغزية تخصني وحدي، ولم تعد حكاية يمكن أن تُحصر في إطار فردي ضيق، بل بدأت تتسع شيئًا فشيئًا، كأنها تخرج من حدودها الأولى لتصبح مساحة أوسع من المعنى، حتى صارت رمزًا لكل الظبيات في غزة، لكل أولئك الذين يعيشون الحياة وهي مثقلة بما يفوق طاقتها، ومع ذلك يواصلون السير كأن السير نفسه شكل من أشكال التمسك بالوجود.

لم تعد رشا فردًا في ذاكرة فرد، بل ملامح تتكرر في وجوه كثيرة، في صبرٍ لا يُقال، وفي وجعٍ لا يجد طريقه إلى اللغة، وفي قدرة غريبة على الاستمرار رغم أن كل شيء حوله يبدو وكأنه يدفع نحو التراجع. هي ليست استثناءً، بل صورة من صور الحياة حين تُعاش تحت ضغط البقاء المستمر.

ومن هنا تصبح رشا تعبيرًا حيًا عن مساحة إنسانية واسعة، عن آلاف، بل عشرات الآلاف من الظبيات اللواتي يعشن بين ما فقدنه وما لم يعد كما كان، ليس كأرقام في سردية باردة، بل كحضور يومي يتكرر بصيغ مختلفة، ويعيد تعريف معنى أن تبقى الحياة ممكنة رغم كل شيء.

وفي هذا المشهد الممتد، لا يمكن فصل التفاصيل الصغيرة عن الثقل الكبير الذي يحيط بها؛ فالحصار ليس فكرة مجردة، بل ظل طويل يدخل في تفاصيل اليوم، يثقل الحركة، ويجعل أبسط الاحتياجات سؤالًا مفتوحًا. هناك حيث يمتزج الجوع بالانتظار، ويصبح نقص الدواء جزءًا من القلق اليومي، لا كحالة طارئة فقط، بل كإيقاع حياة يفرض نفسه بصمت.

ثم هناك ما هو أبعد من ذلك، البيوت التي لم تعد كما كانت، والتي تحولت إلى أثرٍ مفتوح على الذاكرة؛ جدران فقدت شكلها الأول، وغرف بقيت معلّقة في ما يشبه الفراغ بين الحياة وما بعدها، كأن المكان نفسه صار يتذكر أكثر مما يسكن. وامتدادًا لما سلف، يظهر الركام كطبقة ثقيلة تغطي الأرض والذاكرة معًا، ليس مجرد بقايا حجارة، بل تراكم طويل لزمنٍ انكسر أكثر من مرة، حتى صار المشهد كله أقرب إلى ذاكرة مادية مفتوحة، تختلط فيها التفاصيل الصغيرة بما هو أكبر من القدرة على الإحاطة.

وفي قلب هذا كله، تمتد الخيام المهلهلة كصورة أخرى للحياة حين تُجبر على أن تعيد تعريف نفسها. ليست الخيمة مجرد قماش، بل مساحة مؤقتة تتحول مع الوقت إلى واقع يومي، تُحفظ فيها تفاصيل العيش الصغيرة: النوم المتقطع، والأصوات القريبة، ومحاولات حماية ما تبقى من الخصوصية، وكأن الإنسان يعيد اختراع معنى البيت داخل ما ليس بيتًا.

وفي المحصلة، لا تعود المأساة مجرد حكايات متفرقة، بل تصبح واقعًا يطبع المكان كله. خلف كل خيمة حكاية بيت غاب، وخلف كل بيت غاب ذاكرة أسرة كاملة تحاول أن تعثر على موطئ قدم وسط عالم تغيّر دفعة واحدة. هنا لا يُقاس الدمار بعدد الأبنية المهدمة فحسب، بل بما تركه من فراغ في حياة الناس، وبما خلّفه من شعور دائم بعدم اليقين. انتقلت أعداد هائلة من الناس من بيوت كانت تؤوي أحلامهم وتفاصيلهم اليومية إلى خيام تحاول أن تؤوي ما تبقى من تلك الأحلام، فيما تتراكم فوق الأرض جبال من الركام، وتبقى تحتها طبقات من الذكريات والأمنيات المؤجلة، وآلاف المفقودات والمفقودين.

وفي خضم ذلك كله، تواصل الظبيات الغزيات، وفي مقدمتهن ظبيتي، حمل أعباء تفوق الوصف؛ يحملن همّ الأطفال، وقلق الجوع، والخوف من المرض، وعبء البحث اليومي عن مقومات الحياة الأساسية. وبين نقص الغذاء وشح الدواء وانقطاع كثير من مظاهر الحياة الطبيعية، لا يتجلى الصمود في الشعارات الكبيرة فقط، بل في تلك التفاصيل الصغيرة التي تجعل يومًا جديدًا ممكنًا رغم كل شيء. هناك، حيث يبدو الواقع أثقل من الاحتمال، تستمر الحياة لأن هناك من يصرّ على حملها فوق كتفيه كل صباح.

وفي الخلفية الأوسع، يمتد عالم أكبر من التفاصيل اليومية، عالم تتقاطع فيه السياسة مع الحياة، وتُقال فيه خطابات كبرى عن المستقبل وإعادة تشكيل المنطقة، بينما تبقى الحياة على الأرض أكثر تعقيدًا من أي خطاب، وأكثر كثافة من أي تعريف جاهز، وبين ما يُقال وما يُعاش تتسع المسافة التي يعيش فيها الإنسان وحده مع واقعه

وفي هذا الامتداد، لا تظهر رشا كخطاب ولا كشعار، بل كأثرٍ هادئ يشبه الذاكرة حين ترفض أن تُغلق، وكأنها تقول إن ما يمر بالإنسان لا يختفي، بل يتحول إلى طبقة أعمق من الفهم، تبقى في الداخل وتنتقل بصمت من جيل إلى آخر، حاملةً على كاهلها رسالتين

الأولى موجهة إلى الإنسانية، وهي شهادة إنسانية لا تقوم على الصراخ، بل على النظر العميق إلى الإنسان قبل أن يُختصر في خبر أو رقم، وعلى إدراك أن خلف كل عنوان هناك حياة كاملة لا تُرى بسهولة لكنها تُعاش بكل تفاصيلها. رسالة توثق كل الفظائع، والأسلحة التي استُخدمت، والعائلات التي اندثرت، وكل محاولات التهجير والأسرلة والتهويد.

أما الرسالة الثانية فهي موجهة لمن حالفهم الحظ من الغزيات والغزيين وبقوا على قيد الحياة، وهي تذكيرٌ بأن الاستمرار نفسه ليس تفصيلًا عابرًا، بل شكل من أشكال المعنى، وأن البقاء رغم كل هذا الثقل هو فعل يومي يعيد تعريف الحياة نفسها.

ولعل ما يجعل رشا أكبر من مجرد اسم، أنها لا تمثل نفسها وحدها، بل تمثل ذلك الخيط الإنساني الرفيع الذي يرفض الانقطاع مهما اشتدت العواصف. فهي ليست صورة للمعاناة فقط، بل صورة للقدرة على الاستمرار، وللإنسان حين يتمسك بحقه في الحياة حتى وهو محاط بكل ما يدفعه إلى اليأس.

وفي النهاية، لا تُختزل رشا في حضور أو غياب، ولا في معنى واحد ثابت، بل تبقى أثرًا مفتوحًا يمتد إلى ما هو أبعد من الحكاية نفسها. فهي ليست ابنة الألم وحده، بل ابنة الأمل أيضًا، وليست شاهدة على ما كان فحسب، بل شريكة في صناعة ما سيكون.

حتمًا سيأتي يوم تقف فيه رشا، ومعها آلاف الظبيات والظباء من أبناء غزة، أمام جيل جديد لم يعش كل ما عاشوه من وجع وفقدان، فتروي له الحكاية لا ليبقى أسيرها، بل ليتجاوزها. ستعلّم تلاميذ غزة أن القوة الحقيقية لا تكمن في حمل الجراح إلى المستقبل، بل في التسامي عليها، وتحويلها إلى معرفة وحكمة وإرادة بناء. ستعلّمهم أن الإنسان يستطيع أن يخرج من بين الركام أكثر تمسكًا بالحياة، وأكثر إيمانًا بحقه في الحرية والكرامة.

وحين ينتهي الاحتلال، وتبدأ رحلة بناء الدولة الفلسطينية المستقلة على أرضها، لن يكون ذلك انتصارًا لفلسطين وحدها، بل خطوة ضرورية نحو استقرار أوسع تحتاجه المنطقة كلها. فالدول تُبنى بالإرادة والعلم والعمل، والسلام الحقيقي لا يولد من تجاهل الحقوق، بل من الاعتراف بها. وعندها ستبقى رشا رمزًا لجيل عرف الألم، لكنه رفض أن يورثه لأبنائه، واختار بدلًا من ذلك أن يورثهم الأمل، وأن يفتح لهم الطريق نحو غد أكثر عدلًا وازدهارًا وإنسانية.