الانتخابات المحلية من منظور حقوقي نسوي.. بين التمثيل والتأثير

2026-06-17 23:00:57

تناولت حلقة خاصة بثتها شبكة "راية" الإعلامية بالتعاون مع جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية، موضوع "الانتخابات المحلية من منظور حقوقي نسوي: قراءة نقدية واستشراف للمستقبل – النساء بين التمثيل والتأثير"، حيث ناقشت مجموعة من الشخصيات السياسية والحقوقية والمجتمعية أبرز الإشكاليات التي رافقت الانتخابات المحلية الأخيرة، وانعكاساتها على مشاركة النساء وحضورهن في مواقع صنع القرار.

وشارك في الحلقة كل من ريما نزال عضو الأمانة العامة للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية وعضو الائتلاف الأهلي للانتخابات، وعطاف أبو الرب الناشطة المجتمعية ونائب رئيس مجلس قروي جلبون في محافظة جنين، وعارف جفال مدير مرصد العالم العربي للديمقراطية والانتخابات ومنسق الائتلاف الأهلي للانتخابات.

ريما نزال: القانون الانتخابي حمل إشكاليات سياسية وقانونية وانتقص من المشاركة النسوية

أكدت ريما نزال أن الانتخابات المحلية تمثل أحد أهم أشكال المشاركة الديمقراطية الفلسطينية، نظراً لارتباطها المباشر بحياة المواطنين اليومية، من خلال تحسين الخدمات والبنية التحتية والبيئة المحلية وجودة الحياة، معتبرة أن أهميتها تنبع من كونها تمس الاحتياجات الحياتية المباشرة للمواطنين أكثر من غيرها من الاستحقاقات الانتخابية.

وأوضحت أن الانتخابات المحلية حافظت على قدر من الدورية مقارنة بالانتخابات التشريعية والرئاسية المتوقفة منذ سنوات، إلا أن ذلك لا يلغي وجود تحديات حقيقية أثرت على المشاركة الشعبية، سواء نتيجة الظروف السياسية أو بسبب التحفظات الواسعة على القانون الانتخابي الجديد.

وتحدثت نزال بإسهاب عن الاعتراضات التي سجلتها مؤسسات المجتمع المدني والائتلاف الأهلي للانتخابات على قانون الانتخابات المحلية. إذ أشارت إلى أن أحد أبرز هذه الاعتراضات تمثل في "الاشتراط السياسي" الذي ألزم المرشحين والقوائم بالتأييد لبرنامج منظمة التحرير الفلسطينية واتفاقاتها، معتبرة أن هذا النص يشكل سابقة إقصائية في انتخابات ذات طابع خدمي وليست سياسية بالمعنى المباشر.

وأضافت أن النظام الانتخابي الجديد خلق تعقيدات إضافية، خاصة من خلال الجمع بين انتخاب القوائم وانتخاب أفراد داخل القائمة ذاتها، الأمر الذي أدى إلى منافسة داخلية بين المرشحين الموجودين في القائمة الواحدة، وأسهم في خلق توترات وخلافات داخل بعض المجتمعات المحلية.

كما انتقدت استمرار عدم التزام القانون بنسبة تمثيل نسائي لا تقل عن 30%، وهي النسبة التي سبق أن أقرها المجلس الوطني الفلسطيني وأكدها المجلس المركزي، مشيرة إلى أن نسبة تمثيل النساء بقيت دون هذا السقف، وأن القانون ميز حتى بين النساء أنفسهن، إذ منح النساء في المجالس البلدية نسب تمثيل أعلى من النساء في المجالس القروية.

ولفتت إلى أن القانون لم يشترط انتخاب امرأة ضمن الأعضاء المنتخبين فردياً، الأمر الذي أدى إلى نجاح كثير من النساء عند الحد الأدنى فقط، وبقيت النظرة التقليدية لدور المرأة السياسية قائمة بدلاً من أن يسهم القانون في معالجتها.

واعتبرت نزال أن مجمل هذه الثغرات أفرزت واقعاً انتخابياً يحتاج إلى مراجعة شاملة تضمن عدالة أكبر للنساء وتعزز المشاركة الديمقراطية الحقيقية في الهيئات المحلية.

عطاف أبو الرب: المشاركة الفردية منحت النساء فرصة حقيقية لإثبات أنفسهن

من جهتها، قدمت عطاف أبو الرب قراءة مختلفة انطلاقاً من تجربتها الشخصية في الانتخابات المحلية الأخيرة، مؤكدة أن نظام الترشح الفردي أتاح للنساء في العديد من قرى محافظة جنين فرصة الظهور بأسمائهن وبرامجهن الانتخابية، بعيداً عن الاكتفاء بمقاعد الكوتا النسوية.

وقالت إن النساء اللواتي خضن الانتخابات هذه المرة دخلن المنافسة وهن يمتلكن برامج واضحة وأهدافاً محددة، الأمر الذي منحهن فرصة حقيقية للحصول على أصوات الناخبين استناداً إلى الكفاءة والبرنامج الانتخابي.

ورغم ذلك، أقرت أبو الرب بوجود تدخلات عائلية وتنظيمية أثرت على بعض المرشحات وأدت إلى انسحاب عدد منهن قبل موعد الاقتراع، معتبرة أن هذه التدخلات لا تزال تشكل أحد أبرز العوائق أمام المشاركة النسائية المستقلة.

وأكدت أن نجاح المرأة في الانتخابات لا يكتمل بمجرد الفوز، بل يبدأ بعد الوصول إلى المجلس المحلي، حيث تصبح مطالبة بتحويل الوعود الانتخابية إلى برامج عمل وخطط قابلة للتنفيذ خلال السنوات الأربع اللاحقة.

وشددت على أن التأثير الحقيقي للنساء داخل المجالس المحلية يرتبط بشخصية المرأة نفسها، وخبرتها، وعلاقاتها المجتمعية، وقدرتها على فرض حضورها داخل المجلس، مشيرة إلى أن بعض النساء لا يشاركن فعلياً في صناعة القرار رغم وجودهن الرسمي في المجالس المحلية.

وأوضحت أن بعض المجتمعات المحلية ما زالت تنظر بسلبية إلى المرأة التي تناقش أو تعترض أو تبدي رأياً قوياً، الأمر الذي يحد من تأثيرها الفعلي رغم وجودها في مواقع التمثيل.

كما أكدت أهمية استمرار دعم المؤسسات النسوية والمجتمعية للنساء بعد الانتخابات، معتبرة أن دور هذه المؤسسات لا يجب أن ينتهي عند مرحلة الترشيح والفوز، بل ينبغي أن يستمر من خلال التدريب والتأهيل والمساندة وبناء الشبكات الداعمة للنساء المنتخبات.

وفي حديثها عن تجربتها الشخصية، أشارت إلى أنها دخلت المجلس القروي وهي تمتلك خطة واضحة للعمل، مستفيدة من خبرتها الطويلة في العمل التطوعي والمجتمعي، الأمر الذي عزز قدرتها على التواصل مع المؤسسات المختلفة وخدمة مجتمعها المحلي.

عارف جفال: القانون رفع التمثيل العددي لكنه لم يضمن التأثير الحقيقي للنساء

بدوره، أكد عارف جفال أن تقييم مشاركة النساء في الانتخابات المحلية يجب أن ينطلق من مستويين أساسيين: المستوى القانوني والمستوى المجتمعي.

وأوضح أن القانون ساهم في رفع نسبة تمثيل النساء إلى نحو 25.2%، لكنه في المقابل كشف عن مشكلة جوهرية تتمثل في ارتفاع نسب الاستبدال داخل المجالس المحلية، حيث شهدت غالبية المجالس استبدالاً للنساء المنتخبات أو تراجعاً في تأثيرهن الحقيقي داخل الهيئات المنتخبة.

وأشار إلى أن النظام الانتخابي المستخدم لم يكن صديقاً للمرأة ولا للشباب، بل شكل عائقاً أمام مشاركتهما الفاعلة، مؤكداً أن هناك حاجة إلى تطوير نظام انتخابي أكثر عدالة يضمن ليس فقط الحضور العددي للنساء، وإنما أيضاً حضورهن النوعي والمؤثر في عملية صنع القرار.

كما انتقد استمرار هيمنة العائلات والقوى التقليدية على المشهد الانتخابي، مبيناً أن نسبة كبيرة من القوائم التي خاضت الانتخابات كانت ذات طابع عائلي أكثر منها حزبي أو برامجي، الأمر الذي انعكس على اختيار المرشحين والمرشحات وعلى مستوى الكفاءة داخل المجالس المنتخبة.

وأكد جفال أن العديد من النساء قدمن حملات انتخابية قوية وأثبتن حضوراً لافتاً، لكنهن لم يحصلن على الأصوات التي تستحقها كفاءاتهن بسبب استمرار تأثير العادات والتقاليد والنظرة المجتمعية التقليدية لدور المرأة.

وفي ختام حديثه، كشف عن توجه الائتلاف الأهلي للانتخابات للعمل خلال المرحلة المقبلة على تعزيز الثقافة الديمقراطية في المجتمع الفلسطيني، والتركيز على المناطق التي شهدت انتخابات بالتزكية أو ضعفاً في المنافسة، بهدف توسيع مشاركة النساء والشباب في الاستحقاقات الانتخابية القادمة.

وأجمعت مداخلات الضيوف الثلاثة على أن الانتخابات المحلية الأخيرة شكلت محطة مهمة في الحياة الديمقراطية الفلسطينية، لكنها كشفت في الوقت ذاته عن جملة من الثغرات القانونية والمجتمعية التي ما زالت تحد من وصول النساء إلى مواقع التأثير الحقيقي. وبينما ركزت ريما نزال على أوجه القصور في القانون الانتخابي، استعرضت عطاف أبو الرب تجربتها الميدانية في تحويل التمثيل إلى مشاركة فاعلة، فيما دعا عارف جفال إلى مراجعة المنظومة الانتخابية وتعزيز الثقافة الديمقراطية لضمان مشاركة نسائية أكثر عدالة وتأثيراً في المستقبل.