لعبة اضرب ثم اهرب

2026-06-18 16:52:59

قوة أمريكية وإسرائيلية هائلة وضعت أهداف كبيرة للحرب على إيران ان لم تحققها تزعزعت قطبية أمريكا وتأجل تحقيق الحلم التوراتي "إسرائيل الكبرى"، واجهت صموداً فاق كل حساباتها لتؤول النتيجة إلى أن من يستطيع الصمود أكثر سيفرض شروطه فضلاً عن تحقيق التوازن الردعي الإيراني ضربة مقابلها ضربة وبأقل الأدوات والتكلفة، لم يتمكن ترمب ولا نتنياهو تحقيق الأهداف وأصبحت أمريكا وإسرائيل تدافع أكثر مما تهاجم وتركت أمريكا حلفائها يواجهون مصيرهم لوحدهم وتأثر الاقتصاد الأكبر في العالم واهتزت مصادر الطاقة العالمية ومخزون النفط ينفذ يوماً بعد يوم والأسعار ترتفع إضافة إلى الخسائر الكبيرة التي لم يعلن عنها كلا الجانبين، مشروع إسرائيل الكبرى بدا يتلاشى أمام أنظارهم وتغيير النظام في أمريكا وإسرائيل بات أقرب إلى التحقق من تغيير النظام الإيراني، شخصية ترمب هي شخصية الظل لمجموعات الضغط الصهيونية وتتماشى مع شخصية نتنياهو ترمب لترمب تصرفاته لا يمكن التكهن بها مع أصدقائه وحلفائه في أوروبا والناتو ولا أحد يستطيع تعديل سلوكه سوى الشعب الأمريكي وحده وسيظهر ذلك جلياً في زمن قريب.

ينتهج ترمب استراتيجية "اضرب واهرب" يضرب للضغط على قبول شروطه ويرفع مستوى التهديد إلى أقصاه بسحق إيران وهو لا يريد الدخول بمستنقع الأراضي الإيرانية ولا يريد حرباً مفتوحة ولا حرب استنزاف لذلك يكون حذراً جداً في انتقاء أهدافه حتى لا يكون الرد الإيراني شديد مما يدفع المنطقة إلى حافة الهاوية ويهدد المصالح النفطية الكبرى بالاحتراق، عندما يرى أن الأمور بدأت تخرج عن السيطرة يقلب المشهد العالمي رأساً على عقب يهدأ ويعلن التوصل لاتفاق لإيجاد مخرج وعذراً لوقف الحرب محتجاً بالنزول عند رغبة الوسطاء وأصدقاء في القيادة الإيرانية لبث الشكوك والشقاق بينهم، ترمب يعي أنه أمام عدو صعب فضلاً عن الأزمات الاقتصادية التي تفاقمت وستزيد إذا توسعت الحرب كلياً في مضيق هرمز وباب المندب، إيران لم تهزم ولم تنتصر نصر مطلق وتعي ما يفكر به ترمب وهي أمام مفترق طرق خطير يحتاج إلى قرار حازم وفوري لا يعطي الفرصة لترمب بتفتيت قوة إيران من خلال لعبة اضرب واهرب ثم أعد الكره مرات ومرات، أخيراً انتهى الأمر بمذكرة تفاهم أعلنها ترمب ولا ندري مدى ثباته عليها والتفاؤل قد لا يكون في مكانه فنحن لسنا أمام تلاقي بالأفكار بين الخصمين، ترمب هو ترمب بيده كل شيء يقرر متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي وأين يوقع الاتفاق؟؟.

الاتفاق على العناوين ومواضيع البحث لا تعني التوصل إلى حلول وهذا الأمر خطير جداً، مذكرة تنص على تمديد وقف الحرب ل60 يوم بما في ذلك لبنان وانسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب اللبناني، مضيق هرمز والحصار البحري والأموال المحتجزة كلها مواضيع لها قراءة مختلفة من الجانبين في الصياغة والتطبيق أمريكا تظهر أن فتح المضيق دون قيد أو شرط متفق عليه وإيران لها رأي أخر تظهر أن سيادتها عليه ما تزال قائمة لا يبدو هنا أننا أمام توافق والحصار سيكون رفعه تدريجياً والأموال المجمدة بتصريحات متباينة، "هذا ليس الاتفاق النهائي بل هو تفاهم يحدد الخطوط العريضة للخلافات وينص على وقف الحرب والحذر ضروري حيال التعليق على موعد الاتفاق نظراً لتردد الطرف الأخر".

إسرائيل لا تعتبر الاتفاق يشملها وتعتبره ضربة سياسية لها بنوده تتناقض مع المصالح الإسرائيلية وهدم لكل المشروع الصهيوني بالمنطقة وهو ثمن تدفعه إسرائيل، إسرائيل قد ربحت عسكرياً في جبهة غزة والضفة الغربية والجنوب السوري والجنوب اللبناني لكن استراتيجياً خسارتها كبيرة جداً بفقدان التأثير على البيت الأبيض فيما يتعلق باستئناف الحرب وقرار الحرب والسلم والتسوية أصبح قراراً أمريكاً وهذا لم يكن في السابق، تأثيرها على تعطيل الاتفاق تلاشى والسبب تغيرات عميقة في المجتمع الأمريكي والنخب تدعو لإيقاف الحروب وايجاد تسوية دائمة لمجمل الصراع في الشرق الأوسط مما يشكل ضغطاً على إسرائيل ويشكل عائقاً  كبيراً أمام ترمب، ولكن الوقت لم يفت بعد إلى حين التوقيع بقلب الطاولة بتصعيد جبهة لبنان وتوسيع رقعة الاستهداف وتنتظر أي رد فعل لتشن حرب واسعة، الاتفاق يعني انهاء نتنياهو سياسياً على المستوى الداخلي فعندما يتعرض لقصف إيراني ثم يأتي ترمب ويجره إلى عدم الرد هي النهاية السياسية له وسط أصوات تتهمه "أنك حولتنا لدولة مستعمرة ودولة وكيلة لأمريكا وخسرنا استقلالنا"، وتأثيره على ترمب تراجع مع التعويل لتغيير رأيه في أخر لحظة تحت ضغط ملفات ابستين الا سيدفع حياته ثمناً لهذا الاتفاق، نتنياهو أرادها حرباً أبدية لخدمة مصالحه الشخصية وخاصة أن الانتخابات الإسرائيلية على الأبواب بمنع تفجير ملفات كبيرة في الداخل سواء باختراقات طوفان الأقصى أو لجنة التحقيق وملفات الفساد والخلافات داخل الائتلاف الحاكم وغيرها، نتنياهو يريد أن يهرب إلى الأمام لبقاء ائتلافه وخلق مناخات مناسبة لإعادة انتخابه.

مرحلة خطيرة جداً قادمة الحرب الكبرى لم تأتي بعد كلا الطرفين يأخذ فرصه لالتقاط الأنفاس وستعود الحرب بقوة ضرب إسرائيل بقوة الذي يمكن أن يشكل ضغطاً حقيقياً لوقف الحرب وسحب القوات الأمريكية من المنطقة، وقد تنتهي الحرب وإيران دولة نووية كل ذلك بسبب غباء الادارة الأمريكية التي يحركها نتنياهو، أمريكا الآن أكثر انقساماً من أي وقت مضى تنهار ببطؤ أزمة اقتصادية وتوترات سياسية واتفاق أسوأ من اتفاق 2015 بتنازلات كبيرة لإيران، والوقت ليس لصالح ترمب دول الخليج نفطهم متوقف واقتصادهم على أبواب الانهيار ربما تنقلب الأمور وينقلب العرب على أمريكا، فالوعي العربي لأهداف هذه الحرب ونتائجها ساهم في توحيد مصر والسعودية وباكستان وتركيا لأول مرة منذ عقود ولو كانت وحدة هشة ولكنها في الطريق لتكوين جبهة موحدة قوية وإذا حدثت ستكون تطور اقليمي مهم وبداية لمواجهة الصهيونية العالمية، "العرب يملكون كل المقومات ليكونوا قطباً عالمياً ولكنهم لا يفعلون ألم يحن الوقت لانعتاق هذه الأمة وانطلاقها"؟؟!!