المقاصة: الرهان الإسرائيلي الذي نواصل نحن تمويله
لنكن صريحين مع أنفسنا ولو لمرة واحدة..
المشكلة في ملف المقاصة لم تعد أن إسرائيل تحتجز الأموال، فهذه حقيقة يعرفها الجميع.. والمشكلة لم تعد في حجم الاقتطاعات أو عدد الأشهر التي تتأخر فيها التحويلات.. المشكلة الحقيقية تكمن في مكان آخر تماماً.
المشكلة أن إسرائيل أصبحت على يقين كامل بأن السلطة الفلسطينية، مهما اشتد عليها الخناق المالي، ومهما تراجعت قدرتها على دفع الرواتب، ومهما ارتفع حجم الديون والعجز، ستواصل في النهاية القيام بكل ما هو مطلوب منها للحفاظ على استمراريتها ومنع انهيارها.
هذا هو مربط الفرس..
إسرائيل لا تحتجز أموال المقاصة لأنها تحتاجها ماليا.. ولا تقتطع منها لأنها تبحث عن إيرادات إضافية.. إسرائيل تستخدم المقاصة لأنها اكتشفت أنها السلاح الأرخص والأكثر فاعلية في إخضاع السلطة وإبقائها في حالة استنزاف دائم.
هي تعرف أن الموظف الفلسطيني سيتضرر.. وتعرف أن الاقتصاد الفلسطيني سيتراجع.. وتعرف أن الغضب الشعبي سيتصاعد.
لكنها تعرف أيضاً شيئا آخر أكثر أهمية:
أن السلطة ستبقى تحاول التكيف مع الأزمة مهما كانت قاسية، وستبحث عن القروض، وستؤجل الرواتب، وستضغط النفقات، وستناشد العالم، لكنها في النهاية ستمنع سقوطها بنفسها.
بمعنى آخر، إسرائيل لا تراهن على قوتها فقط، بل تراهن على رد فعل السلطة.
وهنا تكمن خطورة المعادلة..
فكلما احتجزت إسرائيل الأموال وأثبتت السلطة أنها قادرة على امتصاص الضربة والانتظار، ازداد يقين إسرائيل بأن هذه السياسة ناجحة ويجب الاستمرار بها.. ولهذا السبب لا تتغير السياسة الإسرائيلية..
لأنها ببساطة تحقق أهدافها.
إن أخطر ما في المشهد ليس أن السلطة تقف اليوم على حافة الهاوية، بل أن إسرائيل أصبحت واثقة من أن السلطة لن تسمح لنفسها بالسقوط مهما اشتدت الضغوط.
وهذا اليقين الإسرائيلي هو مصدر القوة الحقيقي الذي يمنح المقاصة تأثيرها..
ففي عالم السياسة، لا تكمن القوة دائما في ما تملكه من أدوات، بل في يقين خصمك بكيفية تصرفك.
عندما يعرف خصمك مسبقا ماذا ستفعل، وماذا لن تفعل، وما هي حدود رد فعلك، فإنه يصبح قادرا على إدارة الصراع بأقل كلفة ممكنة.
وهذا بالضبط ما يحدث اليوم..
إسرائيل لا تدير أزمة المقاصة من موقع الخوف من رد الفعل الفلسطيني، بل من موقع الاطمئنان إلى أن رد الفعل الفلسطيني أصبح معروفا ومحسوبا سلفا.
لذلك فإن الرهان على مرور الوقت، أو على انتخابات إسرائيلية قادمة، أو على تبدل حكومة هنا أو هناك، ليس سوى هروب من الحقيقة الأساسية..
الحكومات الإسرائيلية تتغير..
الائتلافات تسقط وتتشكل..
الوزراء يرحلون ويأتون..
أما سياسة المقاصة فتبقى..
لماذا؟
لأن النتائج التي تحققها لإسرائيل ما زالت مضمونة..
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه أصحاب القرار الفلسطيني اليوم ليس: كيف نستعيد أموال المقاصة؟
بل:
كيف نكسر اليقين الإسرائيلي بأننا سنتحمل كل شيء في النهاية؟
كيف نجعل استمرار احتجاز الأموال مكلفا أكثر من الإفراج عنها؟
كيف نحول الاستقرار الذي تعتبره إسرائيل أمرا مضمونا إلى مصلحة تستوجب منها تغيير سلوكها؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية..
أما الاستمرار في إدارة الأزمة بنفس الأدوات، وانتظار نتائج مختلفة، فلن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة:
مزيد من الاستنزاف..
ومزيد من الاقتطاعات..
ومزيد من الأزمات..
ومزيد من الرهان الإسرائيلي على أننا، مهما ضاقت بنا السبل، سنواصل دفع ثمن المعادلة التي صممتها هي.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي قيادة ليس قوة خصمها..
بل أن يتحول سلوكها المتوقع إلى جزء من قوة خصمها..
وهذا بالضبط ما يحدث اليوم في ملف المقاصة..