الجدار الذي أعاد رسم الخريطة السكنية للقدس: عندما أصبح عنوان المنزل قضية وجود

2026-06-19 22:47:03

عندما يتحدث الناس عن جدار الفصل، غالباً ما يختزلونه في كونه شريطاً من الإسمنت والأسلاك الشائكة يرسم حدوداً سياسية أو أمنية، لكن الحقيقة الأكثر إيلاماً التي يعرفها عشرات الآلاف من المقدسيين أن هذا الجدار تحول، منذ لحظة تشييده، إلى أداة عمرانية صامتة أعادت تشكيل أماكن سكنهم، وقلبت موازين حياتهم اليومية، وقطعت أوصال علاقتهم العاطفية بمدينتهم، بل وأثرت في مستقبل أبنائهم بطرق لم تكن في الحسبان، فما كان في السابق امتداداً طبيعياً للقدس نحو الرام وعناتا وأبو ديس والعيزرية وبيت حنينا، حيث كانت العائلات تتنقل بين هذه المناطق بسلاسة وفق حاجتها وقدرتها المالية دون أن يصبح عنوان المنزل قضية قانونية أو هوياتية، صار اليوم، وبسبب هذا الجدار، تلك المناطق أشبه بجزر معزولة تعاني من اكتظاظ خانق وبنية تحتية منهكة، إذ تحولت كفر عقب ومخيم شعفاط وضاحية البريد إلى أكبر بؤر الضغط السكاني في فلسطين، وأصبح المشهد هناك مألوفاً ومفزعاً في آنٍ واحد: أبراج إسمنتية تترامى نحو السماء وكأنها تتنافس على اختناق الأرض، وأحياء تتوسع بوتيرة تفوق قدرة الشوارع والمدارس وشبكات الصرف الصحي على مواكبتها، بينما تئن الحديقة العامة الوحيدة تحت وطأة الأعداد وتحولت إلى موقف سيارات، ويرتفع عدد السكان الذي تضاعف أكثر من ثلاث مرات خلال عقدين، لتستمر البنى التحتية كما هي منذ تسعينيات القرن الماضي وكأن الزمن توقف هناك.

وفي خضم هذه التحولات العمرانية، لم يكن انتقال الأسر إلى هذه المناطق نابعاً من رغبة حقيقية في تغيير المكان، بل كان هروباً من معادلة سكنية معقدة فرضتها الأسعار الجنونية داخل أسوار القدس، حيث أكد مختصون كالمهندس فؤاد الدقاق أن الأرض هناك لم تعد تسعّر بالدونم الواحد، بل بعدد الوحدات السكنية التي يمكن ترخيصها عليها، فتتصاعد كلفة الأرض والرخص والبناء والضرائب والفوائد البنكية وأرباح المستثمرين لتقفز بأسعار الشقق التي كانت تباع قبل عشرين عاماً بحوالي مئة وستين ألف دولار، لتصل اليوم في كثير من الحالات إلى ستماية ألف دولار أو أكثر، وهو رقم يحول حلم الشباب المقدسي بالزواج والاستقرار إلى سراب بعيد المنال، مما يضطرهم للبحث عن بدائل وراء الجدار حيث الأسعار أقل نسبياً، لكنهم يفعلون ذلك وهم يدركون أنهم يدخلون في دائرة مفرغة لا تنتهي، إذ كلما ارتفعت الأسعار داخل القدس اتجهت الأسر نحو المناطق الأقل كلفة، وكلما ازداد تدفقهم هناك تفاقم الضغط على الخدمات والبنية التحتية، وكلما تعمق ذلك الضغط اتسعت الفجوة بين مركز المدينة وضواحيها، لتصبح القدس في النهاية مدينة ذات وجهين: وجه غربي يزداد رفاهية وبناءً، ووجه شرقي يختنق سكاناً ويتآمر عليه التهميش.

لكن الجدار لم يغيّر فقط جغرافيا السكن، بل غيّر معنى السكن ذاته، ففي معظم مدن العالم يمثل المنزل ملاذاً للاستقرار والراحة، أما في القدس فقد ارتبط عنوان المنزل ارتباطاً وجودياً بالهوية والإقامة والتأمين الصحي والوطني ومخصصات الأطفال والشيخوخة والوصول إلى الخدمات العامة، فأصبح مجرد الانتقال إلى منطقة تقع على الجانب الآخر من الجدار أشبه برهان خطير يوازن فيه صاحب المنزل بين كلفة السكن من جهة، وخوفه من فقدان الاستقرار القانوني والاجتماعي من جهة أخرى، وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة حين تجد أن هذه العائلات تدفع الضرائب والرسوم البلدية كاملة وتتحمل أعباء الحياة اليومية، لكنها تشعر في المقابل أن الخدمات التي تحصل عليها لا تزيد على نسبة ضئيلة مما يحصل عليه جارهم في القدس الغربية، ولا يمكن لهذه الصورة أن تكتمل دون استحضار التحذيرات التي أطلقها صندوق الاستثمار الفلسطيني في دراسته لعام 2008، حين أشار بوضوح إلى أن أزمة الإسكان في القدس مرشحة للتفاقم بفعل النمو السكاني المتصاعد ومحدودية الأراضي وصعوبات الترخيص واتساع الفجوة بين العرض والطلب، وهي التحذيرات التي تبدو اليوم، بعد ما يقارب عقدين من الزمن، وقد تحققت بكل قسوة، فالفجوة السكنية تتجاوز اليوم خمسة وسبعين ألف وحدة سكنية، والحاجة الفعلية حتى عام 2027 تصل إلى أكثر من مئة وخمسة وعشرين ألف شقة، فيما لا تتجاوز نسبة التصاريح الممنوحة للفلسطينيين سبعة في المئة رغم أنهم يشكلين أربعين في المئة من سكان المدينة، وتضيق الخيارات أكثر حين تراجع ملفات البناء التي تتجاوز مرحلة إثبات الملكية من مئة ملف سنوياً إلى ستة ملفات فقط، لتتحول معاناة السكن من أزمة كمية إلى أزمة وجودية.

والأكثر إيلاماً من كل هذه الأرقام هو التفاصيل اليومية الصغيرة التي تختزل كل هذه المعاناة في مشهد واحد، فرب أسرة في كفر عقب يستيقظ قبل الفجر ليبدأ رحلة طويلة نحو بوابة أو حاجز، ينتظر فيها طويلاً مع مئات غيره من الموظفين والطلاب والمرضى، ليعبر إلى جانبه الآخر من المدينة حيث عمله أو مدرسة أبنائه أو موعده الطبي، وفي المقابل تعاني الأم هناك من غياب مدرسة قريبة لأطفالها أو مستشفى يستقبلها في المخاض، فتتحول لحظات الفرح العائلي إلى كوابيس لوجستية تُختصر في بوابات حديدية تُفتح وتُغلق حسب مزاج الحارس، ولا غرو أن تؤكد تقارير الأمم المتحدة ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أن طول الجدار الكلي بشقيه المبني والمخطط يبلغ 713 كيلومتراً، يتوغل 85% منه داخل الضفة الغربية، وأن عدد البوابات التي تسيطر عليها السلطات الإسرائيلية يصل إلى 69 بوابة، ولا يمكن للفلسطينيين من حملة هوية الضفة الغربية دخول القدس الشرقية إلا عبر 4 حواجز من أصل 14، مما يحول العبور اليومي إلى اختبار للصبر والإرادة أكثر منه تنقلاً طبيعياً، وهكذا يرى المقدسي نفسه محاصراً بين جدار إسمنتي يغلق عليه الأفق من الخارج، وجدار اقتصادي يغلقه في دوامة الإيجارات المرتفعة من الداخل، وسط مؤشرات خطيرة ترصدها تقارير دولية، حيث تقترب نسبة الفقر بين الأسر المقدسية من 77%، وهي نسبة تعكس عمق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي تغذي أزمة الإسكان وتتغذى عليها.

إن الحديث عن الجدار وآثاره السكنية ليس استرجاعاً لتاريخ مضى، بل هو وصف لحالة راهنة تعصف بكل تفصيل من تفاصيل الحياة اليومية في القدس، من الطريق إلى المدرسة، إلى الوصول إلى المستشفى، إلى البحث عن عمل، إلى اختيار مكان السكن، إلى مستقبل الشباب المقبلين على الزواج، وهكذا تتشكل سلسلة من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية التي تحيل سؤال "أين يسكن المقدسي؟" إلى سؤال أكثر عمقاً وإحراجاً وهو: "ما الثمن الذي يدفعه هذا المقدسي لكي يظل مقدسياً؟"، فالمدينة لم تفقد أبناءها دفعة واحدة، لكنها تخسر جزءاً من قدرتها على احتضانهم عاماً بعد عام، وبين ارتفاع الأسعار وضيق الأراضي وتعقيدات الترخيص ووهن البنية التحتية خلف الجدار، تظل القدس، رغم كل ما فيها من جمال وقدسية، تضيق بهامش البقاء شيئاً فشيئاً، ويظل السؤال الأخطر يتكرر في أذهان كل عائلة تبحث عن منزل: هل أصبح عنوان السكن في القدس يحدد مصير الإنسان ويقرر هويته ومستقبله أكثر مما يحدده دخله أو تعليمه أو طموحه وعمله؟ سؤال سنواصل البحث عن إجابته، ولكن في المشهد المقدسي الراهن، يبدو أن الجدار لم يعد مجرد عائق مادي، بل صار مرآة تعكس أزمة وجود كاملة، حيث المنزل لم يعد وطناً صغيراً، بل أصبح ورقة في لعبة مصيرية عنوانها البقاء.

يقف الجدار الإسمنتي هناك، شامخاً بعلوه الذي يتجاوز الثمانية أمتار، يرسم فاصلاً خرسانياً بين عالمين، وفي ظله، تتشكل لوحة يومية لا تهدأ: من جهة، طوابير بشرية تمتد لأمتار تحت شمس القدس الحارقة، رجال يمسكون بأوراق هوياتهم البيضاء وكأنها تذاكر عبور إلى حياتهم المفقودة، ونساء يحملن أطفالاً بين أذرعهن وشيوخاً يتكئون على عصيهم في انتظار دورهم أمام البوابة الحديدية التي لا تفتح إلا بتعسف. وخلف هذا الطابور، خلف الجدار مباشرة، ترتفع كتلة خرسانية أخرى، ليست جداراً، بل أبراج سكنية متشاكسة، بنيت بسرعة وبلا تخطيط، وكأنها تحاول التسلق فوق بعضها البعض، تناطح السماء بوقاحة، وتملأ الفضاء بتشابك أسلاك الكهرباء وصمّامات المياه وصوت طقطقة المولدات الكهربائية، حيث تتدلى الملابس من الشرفات الضيقة وتعلو أصوات الأطفال الذين يلعبون وسط أكوام الأنقاض بحثاً عن شبر من تراب يلمسونه، لكن لا حديقة هناك، ولا متنفس. وعلى الجانب الآخر من الجدار، في الأفق البعيد، تبدو القدس الغربية بأبنيتها الحجرية المنمقة وأسطحها الحمراء وأشجار الصنوبر التي تتراقص في هدوء، وكأنها تنظر من بعيد إلى هذا المشهد المأساوي بتجرد، تاركة خلف الجدار عالماً كاملاً يختنق بالبشر والأسمنت والانتظار، وكأن المدينة بكاملها قد تحولت إلى لوحة واحدة تجمع على سطحها جمالاً لا يُرى وآلاماً لا تُلمس.