أَزمة بوليفيا وعودة منطق عقيدة مونرو
في قلب أمريكا اللاتينية تقف بوليفيا فوق كنز استراتيجي يحسدها عليه العالم. فهذه الدولة التي تمتلك أحد أكبر احتياطيات الليثيوم على سطح الأرض، المعدن الذي يصفه كثيرون بأنه "نفط القرن الحادي والعشرين"، كان يفترض أن تكون في طريقها إلى مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا. غير أن المشهد اليوم يبدو مختلفًا تمامًا؛ فبدل أن تتصدر أخبار التنمية والاستثمار عناوين الصحف، تتصدرها الاحتجاجات وقطع الطرق وأزمة الوقود والانقسامات السياسية والاتهامات المتبادلة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: كيف يمكن لدولة تجلس فوق ثروات هائلة أن تجد نفسها غارقة في أزمة بهذا الحجم؟ قد يكون من السهل إرجاع ما يحدث إلى أزمة اقتصادية أو إلى صراع سياسي بين السلطة والمعارضة، لكن المشهد البوليفي أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. فما يجري اليوم ليس مجرد خلاف حول السياسات الاقتصادية أو منافسة على السلطة، بل صراع متعدد الطبقات تتداخل فيه المصالح المحلية مع الحسابات الإقليمية، وتختلط فيه الوقائع بالروايات، حتى أصبح الخلاف على تفسير الأزمة يكاد يكون أكبر من الأزمة نفسها.
على الأرض، تظهر الأزمة في تفاصيل الحياة اليومية: مواطنون ينتظرون الوقود لساعات طويلة، أسعار ترتفع بوتيرة مقلقة، حركة تجارية تتعطل بسبب الاحتجاجات وقطع الطرق، ومخاوف متزايدة من تراجع القدرة الشرائية واتساع رقعة الاضطرابات. وفي بلد اعتاد دورات من التوتر السياسي والاجتماعي، تبدو الأزمة الحالية أكثر حساسية لأنها تأتي في لحظة تتقاطع فيها التحديات الاقتصادية مع انقسامات سياسية عميقة.
فالمعارضة البوليفية ترى أن ما وصلت إليه البلاد هو نتيجة مباشرة لسوء الإدارة الاقتصادية وعجز السلطة عن التعامل مع المشكلات المتراكمة. وتقول إن الحكومة تحاول الهروب من الأسئلة الصعبة المتعلقة بالاقتصاد ومستقبل البلاد عبر البحث عن خصوم داخليين وخارجيين. وفي هذا السياق، توجه اتهامات إلى الولايات المتحدة والأرجنتين وإسرائيل بالانحياز إلى الحكومة أو دعمها سياسيًا في مواجهة خصومها، وترى أن ما يجري في بوليفيا لا يمكن فصله عن شبكة أوسع من التحالفات الإقليمية والدولية الساعية إلى التأثير في مسار البلاد السياسي.
وفي خلفية الخطاب المعارض، تستحضر بعض القوى السياسية في بوليفيا وإقليم أمريكا اللاتينية سجلًا تاريخيًا طويلًا من التدخلات الأمريكية في المنطقة، سواء في أمريكا اللاتينية أو في الشرق الأوسط، كما في الحالة الإيرانية. ويُستخدم هذا الإرث لتغذية قراءة ترى أن منطق المصالح الاستراتيجية قد يدفع القوى الكبرى إلى التدخل حيثما توفرت الفرصة أو أمكن تسويق التدخل سياسيًا وإعلاميًا. ومن هذا المنظور، لا تُقرأ الأزمة البوليفية كحدث منفصل، بل كحلقة محتملة ضمن نمط أوسع من السلوك الدولي الذي يربط بين الموارد الاستراتيجية ومناطق النفوذ، حيث تصبح الثروات الطبيعية، وفي مقدمتها الليثيوم، جزءًا من معادلات القوة لا مجرد عنصر اقتصادي محلي. وفي هذا السياق تُطرح أيضًا عقيدة مونرو كإطار تاريخي يُستحضر في الخطاب السياسي لتفسير حساسية أمريكا اللاتينية تجاه النفوذ الخارجي، لا كحتمية سياسية، بل كذاكرة ممتدة تعيد تشكيل طريقة قراءة الأحداث.
أما الحكومة، فتقدم رواية مختلفة جذريًا. فهي تؤكد أن الاحتجاجات تجاوزت حدود المطالب الاجتماعية والاقتصادية المشروعة، وتحولت إلى محاولة منظمة لإضعاف الدولة وشل مؤسساتها. وتتهم بعض قوى المعارضة بالسعي إلى فرض وقائع سياسية بالقوة عبر الحصار وقطع الطرق وتعطيل الاقتصاد، كما تتحدث عن دور لشبكات إجرامية عابرة للحدود، وكارتيلات مخدرات تنشط في دول الجوار، وجماعات تهريب تستفيد من الفوضى وتسعى إلى استغلال حالة عدم الاستقرار لتحقيق مكاسبها الخاصة.
وهكذا لا يقتصر الخلاف بين الطرفين على كيفية حل الأزمة، بل يمتد إلى تعريفها نفسها. فالمعارضة ترى أزمة اقتصادية وسياسية ناتجة عن أداء الحكومة، بينما ترى الحكومة تهديدًا للاستقرار الوطني يتجاوز الخلاف السياسي التقليدي. ولكل طرف قائمة مختلفة من المسؤولين عن الأزمة وتفسير مختلف لما يجري.
ويزداد المشهد تعقيدًا بفعل الانقسامات داخل المعسكرات السياسية نفسها، إذ لم تعد الساحة البوليفية منقسمة ببساطة بين حكومة ومعارضة، بل تشهد تنافسًا على الزعامة والنفوذ داخل التيارات السياسية، ما يجعل الأزمة أكثر تشابكًا وأقل قابلية للحسم السريع.
غير أن العنصر الأكثر إثارة لا يكمن في الاتهامات ذاتها، بل في طبيعتها. فكل طرف لا يكتفي بانتقاد خصمه، بل يسعى إلى تفسير الأزمة عبر شبكة كاملة من الحلفاء والأعداء والمصالح الخارجية، وهنا تتحول السياسة من صراع على البرامج إلى صراع على الروايات.
فالمعارضة تقدم رواية ترى أن السلطة مدعومة من قوى خارجية ومن اصطفافات إقليمية تسعى لإعادة تشكيل المشهد السياسي. والحكومة تقدم رواية مقابلة ترى أن خصومها يستفيدون من دعم قوى تسعى إلى إضعاف الدولة أو اختراقها عبر شبكات الجريمة المنظمة والفوضى. وبين الروايتين يقف المواطن البوليفي محاصرًا بأزمة معيشية لا تنتظر حسم السجالات السياسية.
ولعل هذا ما يجعل الأزمة البوليفية نموذجًا لحالة أوسع في العالم المعاصر؛ ففي كثير من الدول لم يعد الخلاف يدور حول الحلول بقدر ما يدور حول تفسير الواقع نفسه. تتراجع الثقة بالمؤسسات، وتتسع فجوة الشك بين الأطراف السياسية، ويصبح كل فريق مقتنعًا بأن خصمه ليس مجرد منافس سياسي، بل امتداد لقوى خارجية أو لمصالح خفية.
وعندما تصل المجتمعات إلى هذه المرحلة، يصبح الحوار أكثر صعوبة: كيف يمكن الاتفاق على العلاج إذا كان الجميع مختلفين على تشخيص المرض؟ وكيف يمكن بناء توافق وطني إذا كان كل طرف يشكك في نوايا الطرف الآخر وفي شرعية روايته للأحداث؟
ومع ذلك، فإن مصلحة الشعب البوليفي لا تكمن في انتصار رواية على أخرى، بل في الخروج من الدائرة المغلقة التي تغذي الأزمة. فالمواطن الذي ينتظر الوقود أو يواجه ارتفاع الأسعار لا تعنيه الخرائط المعقدة للاتهامات بقدر ما يعنيه إيجاد حلول ملموسة.
ولهذا، فإن الطريق إلى الأمام لا يكمن في مزيد من الاستقطاب، بل في استعادة السياسة لوظيفتها الأصلية: إدارة الخلاف بدل تحويله إلى صراع دائم. وتحتاج بوليفيا إلى حوار وطني واسع يضم مختلف القوى، بهدف التوافق على أولويات معيشية عاجلة واستقرار اقتصادي واجتماعي.
كما تحتاج إلى رؤية وطنية لإدارة ثرواتها الاستراتيجية، وفي مقدمتها الليثيوم، بحيث تتحول إلى محرك للتنمية لا عنصرًا إضافيًا في الصراع السياسي.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأهم ليس من انتصر في معركة الروايات، بل ما إذا كان الشعب البوليفي قادرًا على تحويل ثرواته إلى مستقبل مستقر، بدل أن تبقى جزءًا من أزمة مفتوحة. فالروايات، مهما كانت قوية، لا تطعم جائعًا، ولا توفر وقودًا، ولا تبني اقتصادًا؛ أما الحلول الحقيقية، فهي وحدها القادرة على تحويل الثروة إلى مستقبل.