المخلص المنتظر: من شبتاي تسفي إلى المهدي والمسيح

2026-06-20 18:37:11

منذ فجر التاريخ، أدرك أتباع الديانات المختلفة أن العالم ليس على ما ينبغي أن يكون عليه، وأن الظلم والحروب والاستبداد والفقر والاضطراب ليست الحالة الطبيعية التي يطمح إليها الإنسان. ومع أن طرق معالجة هذا الخلل اختلفت بين الشعوب والثقافات، فإن فكرة مشتركة ظلت حاضرة في معظم التقاليد الدينية، وهي فكرة المخلّص المنتظر؛ الشخصية الاستثنائية التي تظهر في زمن الأزمات الكبرى لتعيد التوازن إلى العالم وتؤسس لعهد جديد من العدل والخلاص. اختلفت الأسماء والصفات من دين إلى آخر، لكن الأمل بقي واحدًا: انتظار من يأتي ليضع حدًا للمعاناة ويحقق الوعد المؤجَّل.

منذ ظهور عيسى ابن مريم عليه السلام، لم يتوقف البشر عن انتظار المخلّص المنتظر، سواء داخل اليهودية أو خارجها. وعلى امتداد القرون ظهرت شخصيات عديدة ادعت أنها تحقق وعد الخلاص، بعضها بقي محدود التأثير، وبعضها تحول إلى ظواهر دينية واجتماعية واسعة عكست حاجة الإنسان الدائمة إلى الأمان والعدل والتحرر من الخوف والاضطهاد.

في القرون الأولى بعد المسيح، ظهرت حركات يهودية عدة في فلسطين والمشرق، أعلن بعض قادتها أنهم المسيح المنتظر. ومن أبرزهم سيمون بار كوخبا الذي قاد الثورة اليهودية ضد الرومان بين عامي 132 و135م، وقد رأى فيه كثير من اليهود آنذاك المخلّص القادر على إنهاء الاحتلال. غير أن الثورة انتهت بهزيمة قاسية، فعاد الأمل إلى دائرة الانتظار من جديد.

وخلال القرون الوسطى استمرت الفكرة حية داخل الأوساط الدينية والقبّالية اليهودية، حيث ظهر متصوفة وقادة روحيون اعتقد أتباعهم أنهم يحملون بشائر الخلاص، مستندين إلى تأويلات رمزية للنصوص الدينية. ورغم محدودية تأثير هذه الحركات، فإنها كشفت عن حضور دائم لفكرة المخلّص في الوعي الجمعي، خصوصًا في فترات الاضطراب

غير أن القرن السابع عشر شكّل نقطة تحوّل حاسمة. ففي عامي 1648 و1649 اندلعت ثورة القوزاق بقيادة بوهدان خملنيتسكي ضد الكومنولث البولندي الليتواني. وقد ترافقت الثورة مع موجة عنف ومذابح واسعة ضد التجمعات اليهودية، خلّفت آثارًا نفسية واجتماعية عميقة، ورسخت شعورًا جمعيًا بأن العالم يعيش اختلالًا يحتاج إلى تدخل خلاصـي عاجل.

في هذا المناخ المضطرب ظهر شبتاي تسفي، المولود في إزمير عام 1626، والمتأثر بالتصوف اليهودي والقبّالة. ومع مرور الوقت بدأ يعلن أنه المسيح المنتظر، فوجدت دعوته صدى واسعًا لدى قطاعات من اليهود الذين كانوا يعيشون حالة انتظار وخوف من المستقبل.

لاحقًا، وفي ستينيات القرن السابع عشر، التقى شبتاي تسفي بناثان الغزي، الذي لعب دورًا حاسمًا في صياغة الإطار اللاهوتي للحركة الشبتائية. فقد أعلن دعمه له وقدم تأويلًا دينيًا يمنح دعوته شرعية روحية، مما ساهم في انتشار الحركة بسرعة في الدولة العثمانية وأوروبا وشمال إفريقيا.

في تلك المرحلة، بدأت مظاهر التحول الاجتماعي تظهر بوضوح، إذ اندفع كثير من الأتباع إلى بيع ممتلكاتهم والتخلي عن أموالهم ومكانتهم الاجتماعية، باعتبار أن العالم القديم يقترب من نهايته وأن زمن الخلاص بات قريبًا. لم يكن ذلك مجرد سلوك اقتصادي، بل تعبيرًا رمزيًا عن قطيعة مع النظام القائم.

ومع توسع الحركة ظهرت طقوس دينية غير مألوفة داخل بعض دوائرها، عُرفت لاحقًا بالطقوس الشبتائية، والتي حملت طابعًا رمزيًا يقوم على فكرة "كسر النظام القديم" تمهيدًا لعهد جديد. وقد فسّر أتباعها هذه الممارسات بوصفها اختبارات للإيمان وتمييزًا بين المؤمن والمتردد.

غير أن هذه الحركة وصلت إلى نقطة الانهيار عام 1666، عندما أُجبر شبتاي تسفي على اعتناق الإسلام في إسطنبول أمام السلطان محمد الرابع. وقد شكّل هذا الحدث صدمة كبرى لأتباعه، لكنه لم يُنهِ الفكرة بالكامل، بل أدى إلى نشوء جماعات سرّية عُرفت لاحقًا باسم "الدونمة"، احتفظت ببعض معتقداته ضمن إطار إسلامي ظاهري، بطريقة مشابهة لتجربة "المرانو" في أوروبا.

وفي موازاة ذلك، أُعيد تفسير مفاهيم الخلاص داخل الفكر اليهودي، فبرزت ثنائية "ابن يوسف" و"ابن داوود". حيث يمثّل الأول مرحلة المعاناة والابتلاء، بينما يمثّل الثاني اكتمال الخلاص وإقامة العدل. وقد أعاد بعض أتباع شبتاي تفسيره ضمن هذا الإطار، فرأوا فيه تجسيدًا لدور "ابن يوسف"، أي المخلّص الذي يمر بالمحنة قبل اكتمال الخلاص.

كما اكتسب الرقم 666 حضورًا رمزيًا في الجدل حول الحركة، بوصفه مرتبطًا في المخيال المسيحي برمز "الوحش"، ثم توسّع لاحقًا ليصبح رمزًا للتفسيرات التي ترى في التحولات الكبرى قوى مدمّرة أو نهاية نظام عالمي قديم.

ومع انتقال فكرة المخلّص عبر الأزمنة، لم تبقَ حكرًا على السياق اليهودي، بل تداخلت مع المسيحية البروتستانتية، حيث يحتل المسيح موقع المنقذ الذي سيعود في آخر الزمان. ومع تطور التيارات الإنجيلية الحديثة، ظهرت قراءات تربط بين الأحداث السياسية ونبوءات نهاية التاريخ، وتعتبر قيام إسرائيل وعودة اليهود إلى الأرض المقدسة جزءًا من مسار الخلاص النهائي.

وفي هذا السياق برزت "الصهيونية الإنجيلية"، التي تنظر إلى دعم إسرائيل باعتباره خطوة في تحقيق خطة إلهية تمهّد لعودة المسيح. وانعكس هذا التصور في السياسة الأمريكية، حيث حظيت مواقف داعمة لإسرائيل بتأييد واسع داخل هذه الدوائر. ومن هنا يُنظر إلى شخصيات سياسية مثل دونالد ترامب باعتبارها فاعلًا سياسيًا يساهم، من وجهة نظر هذه التيارات، في تسريع مسار يُعتقد أنه يقترب من تحقق النبوءات، دون أن يُنظر إليه كشخصية مخلّصية بحد ذاته.

ورغم اختلاف هذه السياقات، يبقى القاسم المشترك ثابتًا: الإحساس بوجود خلل جذري في العالم يستدعي تدخلًا استثنائيًا يعيد التوازن. وهذا ما يفسر استمرار حضور فكرة المخلّص في اليهودية والمسيحية والإسلام.

ففي اليهودية يستمر انتظار المسيح، وفي المسيحية يتجدد الإيمان بعودة المسيح في آخر الزمان، أما في الإسلام فيرتبط الأمل بظهور المهدي ثم نزول عيسى ابن مريم عليه السلام.

وبين هذه التصورات المتعددة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يأتي الخلاص عبر مخلّص منتظر، أم أن الإنسان نفسه شريك أساسي في صناعة هذا الخلاص؟

وبذلك لا تنتهي القصة كسرد تاريخي فحسب، بل كتأمل في فكرة رافقت الإنسان منذ البداية: البحث الدائم عن معنى للعدل في عالم غير مكتمل.