يلا ع رام الله والبيرة... رسالة محبة من مدينتين تحتضنان الجميع
رام الله والبيرة ليستا مجرد مدينتين متجاورتين؛ إنهما رئتان تتنفس منهما فلسطين، وكفان مفتوحتان لاستقبال أبنائها. على تلالهما وطرقهما وأسواقهما تتقاطع الحكايات القادمة من كل الجهات، حتى تبدوان وكأنهما البيت الكبير الذي ترك الفلسطينيون فيه شيئا من أعمارهم وذكرياتهم وأحلامهم.
فمنذ عقود، كان الفلسطيني القادم إلى رام الله والبيرة يشعر أنه لم يغادر قريته تماما؛ كان يجد فيهما وجها يعرفه، أو قريبا ينتظره، أو صديقا سبقه إليهما، حتى أصبحتا محطة عبور إلى الأحلام وموطنا مؤقتا تحول عند كثيرين إلى بيت دائم. ولهذا لم تكونا يوما مدينتين لأبنائهما فقط، بل مدينتين لكل الفلسطينيين.
فيهما يلتقي القادم من القدس بالقادم من الخليل، ومن جنين ببيت لحم، ومن نابلس بأريحا، ومن الأغوار بجبال الشمال. وتجد أبناء الداخل الفلسطيني يعودون إليهما كما يعود المرء إلى بيت يعرفه منذ زمن. ولهذا لا تكاد تجد قرية أو بلدة أو مدينة أو مخيما فلسطينيا إلا وله حكاية في رام الله والبيرة، أو ابن يسكنهما، أو طالب يتعلم فيهما، أو موظف يعمل بين شوارعهما، أو عائلة نسجت مع المكان علاقة عمر.
ورام الله والبيرة أقرب ما تكونان إلى صورة مصغرة عن فلسطين كلها. ففي شوارعهما تختلط اللهجات كما تختلط الوجوه، وتتجاور الحكايات كما تتجاور البيوت، ويذوب القادمون من أماكن مختلفة في نسيج اجتماعي واحد صنعته سنوات طويلة من العيش المشترك والانفتاح والمحبة. هنا تشعر أن فلسطين، بكل تنوعها وتفاصيلها، اجتمعت في مكان واحد دون أن تفقد خصوصية أي جزء منها.
وإذا كانت فلسطين تجتمع فيهما بأبنائها، فإنها تجتمع أيضا بخيرات أرضها. ففي أسواق رام الله والبيرة يلتقي عنب الخليل مع تين تل، وتمور أريحا مع مشمش جفنا، وزيتون سلفيت مع تفاح الجولان، وكنافة نابلس وحلقومها مع دبس حلحول وكأن فلسطين كلها جاءت إلى السوق؛ تحمل جبالها في زيتونها، وأغوارها في تمورها، وسهولها في عنبها وتينها ومشمشها، لتقول إن الأرض التي تجمع ثمارها قادرة دائماً على أن تجمع أبناءها. هنا لا تلتقي المنتجات فقط، بل تلتقي الجغرافيا نفسها، في مشهد يشبه لقاء الناس الذين جاؤوا من كل مكان ليصنعوا حياة واحدة وقصة واحدة.
ولعل أجمل ما يميز رام الله والبيرة هو قدرتهما الدائمة على الاحتضان. فهما لا تسألان الزائر من أين أتى، إنما كيف تجعلانه يكون بين أهله.
ولهذا جاءت مبادرة "يلا ع رام الله والبيرة" لتكون أكثر من حملة لتنشيط الأسواق أو دعم الحركة التجارية والسياحية؛ إنها رسالة محبة ووحدة وانتماء، ورسالة تقول إن الفلسطينيين، مهما فرقتهم الحواجز والظروف، ما زالوا قادرين على اللقاء في مكان واحد وذاكرة واحدة ومستقبل واحد.
وإذا كانت القدس ستبقى القلب النابض لفلسطين وعاصمتها الأبدية، فإن البيرة تقف حارسة بوابة القدس الشمالية، فيما تمتد رام الله دربا من الحياة والأمل يقود إليها. وكلما ضاقت الطرق إلى المدينة المقدسة، بقيت رام الله والبيرة تحفظان حضورها في الوجدان، وتحملان شيئا من روحها وشوق الفلسطينيين إليها، وكأنهما تذكراننا كل يوم بأن القدس ليست مجرد مدينة، بل وعد لا يسقط من الذاكرة.
في رام الله والبيرة يستقبلك الناس قبل الشوارع والمباني. يستقبلك التاجر بابتسامته، وصاحب المطعم بكرمه، والعامل بإخلاصه، وسكان المدينة بمحبتهم المعهودة. هنا تشعر أن الحياة ليست حركة بيع وشراء إنما علاقة إنسانية يومية تصنعها الكلمة الطيبة والوجه البشوش والشعور الصادق بأنك بين أهلك.
ومع كل موسم ومناسبة، تستعد المدينة كما يستعد أهل البيت لاستقبال ضيوفهم. تتزين الأسواق، وتمتلئ المقاهي والمطاعم بالحياة، وتتهيأ المرافق الثقافية والسياحية لاستقبال الزوار، بينما يواصل عمال البلديات عملهم منذ ساعات الصباح الأولى ليبقى المكان جميلاً كما يليق بأهله وزواره.
ورام الله والبيرة كما هما مركزا للحياة الاقتصادية، هما مركزاً دائماً للثقافة والفكر والإبداع الفلسطيني. فيهما المعارض والمكتبات والمهرجانات، وفيهما مساحة واسعة للحوار والفن والمعرفة. ولذلك استطاعتا أن تجمعا بين الحداثة والأصالة، وبين نبض المدينة العصرية ودفء العلاقات الاجتماعية التي تميز المجتمع الفلسطيني.
ورغم كل ما يحيط بفلسطين من تحديات وصعوبات، ما زالت رام الله والبيرة تقفان شامختين، تنبضان بالحياة وتتمسكان بالأمل. فالقوة الحقيقية للمدن بقدرتها على جمع الناس حول قيم المحبة والانتماء.
تعالوا إلى رام الله والبيرة. تجولوا في أسواقهما، واجلسوا في مقاهيهما، وزوروا بلداتهما المحيطة، واشتروا من تجارهما، وشاركوا أهلهما تفاصيل الحياة اليومية. ففي زمن الأزمات يصبح دعم المدن وأهلها شكلا من أشكال التضامن الوطني، وتصبح الزيارة رسالة محبة قبل أن تكون رحلة أو نزهة.
لهذا فإن "يلا ع رام الله والبيرة" ليست دعوة للتسوق فقط، إنما دعوة للقاء. دعوة لأن نستعيد المعنى الجميل لفلسطين الواحدة، وأن نتذكر أن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا. دعوة لأن نزور مدينة احتضنت الجميع، فاستحقت أن تكون بيتا لهم.
يلا ع رام الله والبيرة...
إلى مدينة لا تسأل من أين جئت، بل تفتح لك بابها.
إلى مدينة تشبه فلسطين حين تجتمع، وتشبه أهلها حين يتقاسمون الخبز والحكاية والأمل.
إلى مدينة ما زالت تؤمن أن ما يجمع الفلسطينيين أكبر من كل الحواجز.
تعالوا إليها...
فهناك دائماً مكان لكم بين أهلكم.