كيف يمكن إعادة صياغة العلاقة الفلسطينية الأمريكية؟

2026-06-21 22:51:35

في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، والتداعيات التي خلفتها الحرب على غزة، عادت العلاقة الفلسطينية الأمريكية إلى واجهة النقاش السياسي. فالمعلومات المتداولة حول توجه الإدارة الأمريكية نحو تعزيز العلاقة مع السلطة الفلسطينية، سواء في إطار ترتيبات اليوم التالي للحرب أو في سياق توسيع اتفاقيات أبراهام، تعكس اتجاهاً سياسياً عاماً أكثر مما تعكس قرارات نهائية. إلا أن الأهم من التسريبات ذاتها هو السؤال الجوهري: هل تتجه واشنطن نحو إعادة تفعيل علاقات ثنائية رسمية و معالجة جذور الصراع، أم تتجه نحو إعادة إنتاج سياسة إدارة الأزمة بأدوات جديدة؟

العلاقة الفلسطينية الأمريكية مرت بمراحل صعود وهبوط، بعد اغلاق القنصلية الامريكية في القدس واغلاق مكتب (م.ت.ف) في واشنطن، لكنها ظلت علاقة ضرورية بحكم الدور المركزي للولايات المتحدة في النظام الدولي، وتأثيرها المباشر على مسارات السلام، والدعم الاقتصادي، والبيئة الإقليمية. واليوم، ومع إدراك العديد من الشركاء الإقليميين، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، بأن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يتحقق دون أفق سياسي للقضية الفلسطينية، تبدو السلطة الفلسطينية طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص قطاع غزة أو مستقبل المنطقة.

السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في انفتاح أمريكي محدود، يقوم على إعادة قنوات الاتصال، وتعزيز التنسيق السياسي، وزيادة الدعم الاقتصادي والمؤسسي، دون أن يرقى إلى تحول سياسي جذري. أما السيناريو الأكثر طموحاً، فيرتبط بإعادة دمج السلطة الفلسطينية في المشهد الإقليمي والدولي ضمن شراكة سياسية أوسع، تترافق مع إصلاحات داخلية فلسطينية وإعادة إحياء المرجعيات الدولية القائمة على حل الدولتين، بما في ذلك إعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس ومكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن.

لكن يبقى احتمال استمرار إدارة الأزمة قائماً، في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية، واستمرار الاستيطان، وغياب الإرادة السياسية الحقيقية لإنهاء الاحتلال. وفي هذا السيناريو، ستبقى العلاقة الفلسطينية الأمريكية محصورة في تحسينات تكتيكية وإجراءات اقتصادية وأمنية، فيما تستمر القضية الفلسطينية بالتعامل معها كملف إنساني أو أمني، بدلاً من كونها قضية شعب يسعى إلى الحرية وتقرير المصير.

إن إعادة بناء العلاقة الفلسطينية الأمريكية تتطلب خطوات عملية وبراغماتية قائمة على المصالح المشتركة. وفي المدى القريب، تبرز الحاجة إلى استعادة الحوار الرسمي المنتظم بين القيادة الفلسطينية والإدارة الأمريكية، وتعيين مبعوث أمريكي رفيع مختص بالشأن الفلسطيني، إلى جانب إنشاء قناة فلسطينية متخصصة للعلاقة مع الولايات المتحدة والخليج -فريق مبعوث فلسطيني- من أصحاب الأدوات والاختصاص. كما أن إطلاق منتدى فلسطيني-أمريكي للأعمال والابتكار، يضم رجال الأعمال الفلسطينيين والفلسطينيين الأمريكيين والجامعات، يمكن أن يشكل رافعة للتنمية وخلق فرص العمل.

أما على المدى المتوسط، فإن إعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس تمثل أكثر من مجرد خطوة دبلوماسية؛ فهي رسالة سياسية تؤكد الاعتراف بالوجود السياسي الفلسطيني وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. كما أن إنشاء إطار للشراكة الاقتصادية الفلسطينية الأمريكية في مجالات الطاقة المتجددة والتعليم والصحة والبنية التحتية الرقمية، يمكن أن يساهم في تعزيز الصمود وبناء المؤسسات.

وعلى المدى البعيد، لا بد من تحويل العلاقة إلى شراكة استراتيجية مؤسسية قادرة على الصمود أمام تغير الإدارات والسياسات. فالتعاون الاقتصادي والتقني وحده لا يصنع السلام، وإنما يحتاج إلى أفق سياسي قائم على القانون الدولي والكرامة الإنسانية والأمن المتبادل والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

إن قيمة أي تحول في العلاقة الفلسطينية الأمريكية لا تُقاس بحجم المساعدات أو عدد اللقاءات، بل بمدى قدرته على تحويل وقف الحرب إلى مسار سياسي حقيقي، قائم على تنفيذ القانون الدولي وإنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة. فالمطلوب ليس إعادة إنتاج مقاربات اقتصادية أو ترتيبات مؤقتة شبيهة بصفقة القرن، بل بناء شراكة أمريكية فلسطينية جديدة تنقل المنطقة من إدارة الصراع إلى صناعة السلام العادل والدائم.

فالسلام لا يُبنى بإدارة الأزمات، بل بإرادة سياسية تعالج أسبابها.