التعديلات الانتخابية الفلسطينية: بين توسيع التمثيل وتجديد الشرعية الوطنية

2026-06-24 20:50:03

عاد ملف الانتخابات الفلسطينية إلى واجهة النقاش السياسي مجددًا بعد إصدار الرئيس محمود عباس قرارًا بقانون يقضي بإجراء انتخابات المجلس التشريعي ضمن تعديلات جوهرية على قانون الانتخابات، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وإمكانية تجديد الشرعيات الوطنية، وتوسيع التمثيل السياسي، وإشراك الشباب والنساء والشتات الفلسطيني بصورة أكبر.

وفي حلقة جديدة من برنامج "قضايا في المواطنة" الذي تبثه شبكة راية الإعلامية، ناقش كل من تيسير نصر الله، عضو المجلس الثوري لحركة فتح، وعارف جفال، مدير مرصد العالم العربي للديمقراطية والانتخابات، أبعاد هذه التعديلات والتحديات المرتبطة بتنفيذها.

تيسير نصر الله: الانتخابات استحقاق وطني وضرورة سياسية

أكد عضو المجلس الثوري لحركة فتح تيسير نصر الله أن الانتخابات تمثل حقًا أصيلًا للشعب الفلسطيني، مشددًا على أن الاحتكام إلى صناديق الاقتراع يجب أن يبقى نهجًا دائمًا مهما كانت الظروف السياسية.

وأوضح أن المجلس التشريعي شهد تجربتين انتخابيتين عامي 1996 و2006، وكان من المفترض إجراء انتخابات جديدة عام 2021، إلا أن رفض الاحتلال الإسرائيلي إجراء الانتخابات في القدس أدى إلى تعطيل العملية الانتخابية.

ورأى نصر الله أن المتغيرات الدولية الأخيرة، وخاصة اتساع الاعتراف بدولة فلسطين، فرضت واقعًا سياسيًا جديدًا، مشيرًا إلى اعتراف أكثر من 160 دولة بفلسطين، إضافة إلى مواقف دولية متقدمة من دول كبرى، وهو ما دفع القيادة الفلسطينية لاتخاذ خطوات نحو تجديد المؤسسات الوطنية.

وقال إن العالم ينتظر من الفلسطينيين مبادرات سياسية ومؤسساتية تعكس وجود الدولة الفلسطينية، مؤكدًا أن إصدار المرسوم الانتخابي جاء في هذا السياق.

واعتبر نصر الله أن القانون الجديد يمثل تحولًا مهمًا في بنية المجلس الوطني الفلسطيني، موضحًا أن المجلس كان يتشكل سابقًا بصورة كبيرة عبر التعيينات وكوتا الفصائل والاتحادات الشعبية والمستقلين.

وأضاف أن النظام الجديد سيعتمد بصورة أكبر على الانتخابات المباشرة، وهو ما سيوسع قاعدة التمثيل ويمنح المواطنين دورًا أكبر في اختيار ممثليهم.

وأكد أن المجلس الجديد سيجمع بين المهام التشريعية والوطنية، وأن جميع القوى السياسية ستصبح مطالبة بخوض الانتخابات من خلال قوائم انتخابية.

وأوضح نصر الله أن تخفيض سن الترشح إلى 23 عامًا يشكل فرصة حقيقية أمام الشباب للمشاركة السياسية، بل ويفتح المجال أمام تشكيل قوائم شبابية مستقلة.

كما أكد أن إلزام القوائم بنسبة تمثيل نسائي لا تقل عن 30% يمثل استجابة لمطالب الحركة النسوية الفلسطينية، مشيرًا إلى أن النساء سيحصلن على حضور أكبر داخل المؤسسات المنتخبة.

وأضاف أن الأحزاب والقوائم الانتخابية ستكون مضطرة لإشراك الشباب والنساء إذا أرادت تحقيق حضور قوي في الانتخابات المقبلة.

وأقر نصر الله بوجود تحديات تتعلق بتمثيل الفلسطينيين في الشتات، خاصة أن هناك 150 مقعدًا مخصصة للخارج.

وبين أن الانتخابات ستجرى حيثما أمكن، وفي الدول التي يتعذر فيها تنظيم الانتخابات سيتم اللجوء إلى التوافق أو إلى آليات أخرى تضمن التمثيل.

وأشار إلى أن عدد المقاعد المخصصة لكل دولة سيأخذ بعين الاعتبار عدد الفلسطينيين المقيمين فيها، مؤكدًا أن لجنة الانتخابات واللجان التحضيرية ستعمل خلال الفترة المقبلة على معالجة هذه القضايا.

وأكد نصر الله أن الاحتلال الإسرائيلي ما يزال العقبة الأساسية أمام تنفيذ الانتخابات، وخاصة فيما يتعلق بمدينة القدس.

وشدد على أن المجتمع الدولي مطالب بتحمل مسؤولياته والضغط على إسرائيل لضمان إجراء الانتخابات، مؤكدًا أن الموعد المحدد للانتخابات يجب أن يصبح استحقاقًا وطنيًا لا يجوز التراجع عنه.

كما اعتبر أن القانون الجديد سيحدث تغييرات جوهرية في النظام السياسي الفلسطيني، ويفتح المجال أمام قوى اجتماعية وشبابية جديدة للمشاركة في الحياة السياسية.

عارف جفال: الانتخابات فرصة لاستعادة الشرعية وتجديد النظام السياسي

من جهته، يرى مدير مرصد العالم العربي للديمقراطية والانتخابات عارف جفال أن زيادة عدد أعضاء المجلس إلى 200 عضو تمثل خطوة إيجابية، لأنها تجعل عدد الأعضاء المنتخبين أكبر من عدد المعينين.

وأوضح أن هذه الخطوة تعزز الشرعية الشعبية للمجلس، وتمنح المؤسسات الوطنية قوة أكبر في مواجهة التحديات السياسية القائمة.

وأضاف أن الحالة الفلسطينية بحاجة ماسة اليوم إلى تعزيز الشرعية الوطنية، خصوصًا في ظل الانقسام والتحديات التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني.

ودافع جفال عن تخفيض نسبة الحسم إلى 1%، معتبرًا أن البيئة السياسية الفلسطينية تقوم على التعددية، وبالتالي فإن نسبة الحسم المنخفضة تسمح بتمثيل أكبر للقوى السياسية المختلفة.

وأشار إلى أن الانتخابات المقبلة قد تشهد عددًا أكبر من القوائم مقارنة بانتخابات 2021، معربًا عن أمله في أن تكون هذه القوائم ذات طابع وطني شامل، وليس مناطقيًا أو جغرافيًا.

وأكد جفال أن التجارب الانتخابية المحلية أثبتت قدرة الشباب على المنافسة، مشيرًا إلى ترشح مئات الشباب في الانتخابات البلدية الماضية.

وبين أن غياب الانتخابات العامة لسنوات طويلة أدى إلى مزاحمة الأجيال الأكبر للشباب داخل الحياة السياسية.

وشدد على أن الشباب مطالبون بانتزاع حقهم في التمثيل سواء عبر الضغط داخل الأحزاب أو من خلال المبادرات المستقلة.

وقال جفال إن الانتخابات البرلمانية تختلف عن الانتخابات المحلية، لأن العمل البرلماني يخضع للرقابة الشعبية والإعلامية.

وذكر أن القوائم السياسية ستكون مضطرة لاختيار نساء يمتلكن الحضور والكفاءة والقدرة على تمثيل الجمهور.

كما رأى أن الانتخابات تمثل فرصة لظهور قيادات نسوية جديدة وتجديد النخب السياسية النسائية.

وأبدى جفال تحفظات على إمكانية إجراء انتخابات مباشرة للفلسطينيين في الخارج خلال فترة زمنية قصيرة.

وأوضح أن إعداد سجل انتخابي دقيق للفلسطينيين في الشتات مسألة معقدة وتحتاج إلى وقت طويل.

ورجح أن تكون المجمعات الانتخابية أو صيغ التوافق من بين الخيارات الأكثر واقعية لتمثيل الفلسطينيين في الخارج.

كما أشار إلى وجود قضايا فنية وقانونية لم تُحسم بعد، تتعلق بطريقة التصويت وآليات التمثيل داخل هذه المجمعات.

ويعتقد جفال أن وجود مؤسسات منتخبة تمتلك شرعية شعبية سيساعد في إدارة ملفات إعادة إعمار غزة وتوزيع المساعدات بصورة أكثر شفافية.

ولفت إلى أن المؤسسات المنتخبة تمنح النظام السياسي شرعية أكبر، وتساعد في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة على المستويات السياسية والإدارية والقانونية.

وشدد جفال على أن الانتخابات تمثل الوسيلة الوحيدة التي توصلت إليها الأنظمة الديمقراطية لمنح الشرعية للمؤسسات.

وأكد ضرورة ضمان مشاركة واسعة ودورية منتظمة للانتخابات، مشيرًا إلى التجربة الإيجابية للمجلس التشريعي الأول.

كما اعتبر أن الانتخابات تشكل فرصة لإعادة بناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات الوطنية الفلسطينية.

وحذر جفال من مجموعة من التحديات التي قد تعرقل الانتخابات، من بينها: موقف الحكومة الإسرائيلية، وأوضاع قطاع غزة، وإعادة بناء عمل لجنة الانتخابات في القطاع، وحرية تنقل المرشحين، وقضية القدس، والتحديات التقنية المتعلقة بانتخابات الخارج.

وبحسبه، فإن موعد نوفمبر قد يكون مبكرًا نسبيًا، داعيًا إلى توفير الظروف السياسية والفنية المناسبة لإنجاح العملية الانتخابية.

فرصة لتجديد الشرعية وتوسيع المشاركة

وبينما يركز تيسير نصر الله على أهمية المرسوم باعتباره خطوة وطنية ضرورية لتجديد المؤسسات، يرى عارف جفال أن نجاح الانتخابات مرهون بتوفير الضمانات السياسية والفنية اللازمة، إلا أن الطرفين يتفقان على أن الانتخابات تمثل فرصة حقيقية لتجديد الشرعية الفلسطينية وتوسيع المشاركة السياسية.

تجدر الإشارة إلى أن "قضايا في المواطنة" هو برنامج اجتماعي تُنتجه مؤسسة REFORM ويبث عبر شبكة راية الإعلامية؛ للإسهام في الوصول إلى نظام حكم إدماجي تعددي مستجيب لاحتياجات المواطنين ومستند إلى قيم المواطنة.