القدس: عندما يتحول البيت إلى "بطاقة هوية"

2026-06-26 11:41:45

(الحلقة الثالثة)

"أنا لا أخاف أن أخسر البيت... أخاف أن أخسر كل ما يرتبط بالبيت."

بهذه الجملة، اختصر صديق مقدسي معاناته في كلمات قليلة، لكنها ثقيلة كحجر القدس نفسه. عندها أدركت أننا لسنا أمام أزمة إسكان بالمعنى التقليدي. ليست القضية متراً مربعاً، ولا فارق إيجار، ولا حتى صراعاً مع ارتفاع الأسعار. القضية في القدس هي: معركة وجود يخوضها الإنسان يومياً، ليس ليؤمّن سقفاً، بل ليثبت أنه لا يزال "هنا".

في الحلقتين الماضيتين، كنا نرسم ملامح هذه المعركة:
رأينا مدينة صارت أغلى من أبنائها، حيث تحول حلم الزواج وتكوين الأسرة إلى معادلة حسابية مستحيلة. ورأينا كيف غيّر جدار الفصل خريطة القدس، دافعاً بالآلاف نحو ضواحيها البعيدة ككفر عقب وشعفاط، ليس طمعاً في حياة أفضل، بل استسلاماً لمنطق قاسٍ يجعل الهروب من الإيجار الباهظ ثمناً للانفصال عن جذور المدينة.

أما اليوم، فنخلع عن القضية ثوب الأرقام الجافة، لنقترب من نبضها الحقيقي: الإنسان المقدسي.

في معظم مدن العالم، المنزل هو مكان للراحة والاستقرار. أما في القدس، فالبيت هو "مركز الحياة" بامتياز لإنه ليس جدراناً وأسقفاً، بل هو عنوان رسمي يثبت وجودك ومجموعة فواتير كهرباء ومياه وعقد ايجار ورانونا تمنحك شرعية البقاء وسجل مدرسي لأولادك، وعنوان عيادة صحية، وحساب بنكي ورقم هاتف ارضي .

لهذا السبب، حين تفكر عائلة مقدسية بالانتقال من حي إلى آخر، أو مغادرة المدينة إلى ضاحية قريبة بحثاً عن سكن أرخص، فإن القرار لا يُحسب بفارق الثمن فقط. إنه يُحسب بثمنٍ أغلى: فقدان الاستقرار اليومي، وتهديد ارتباطك القانوني والاجتماعي بمدينتك. إنه رهان تخسره فيه الأسر جزءاً من هويتها، مقابل سقفٍ يقيها المطر.

وهنا تبرز المفارقة الأكثر إيلاماً: المقدسي اليوم لا يبحث عن شقة فاخرة أو فيلا تحلم بها العائلة بل يبحث عن بيتٍ لا يسلبه حقه في البقاء وهو يبحث عن عنوان لا يجعله غريباً في وطنه.

تكشف الأرقام حجم هذه المأساة بصمت قاسٍ حيث يؤكد المهندس فؤاد الدقاق، وهو من الخبراء المتابعين لقطاع الإسكان، أن الأسعار قفزت خلال عقدين من الزمن من نحو 160 ألف دولار إلى ما يقارب 600 ألف دولار في كثير من الأحيان ( عظم) تخيل أن شاباً مقدسياً، بمتوسط دخله، قد يقضي عمره كله ليدفع ثمن غرفة نوم واحدة في مدينته والأكثر تعقيداً أن سعر الأرض لم يعد يُحسب بمساحتها، بل بعدد الوحدات السكنية التي يُمكن "ترخيصها" عليها، وكأن المدينة تحولت إلى سوق مضاربة، لا إلى وطن للعيش.

لكن، هل المشكلة في الأسعار الفاحشة فقط؟

بالطبع لا. نحن أمام منظومة متكاملة تتشابك فيها السياسة بالتخطيط، والقانون بالاقتصاد، والهوية بالخدمات فالحصول على قرض سكني معقد، والكفالات مرهقة، والرسوم البلدية والضرائب تثقل كاهل العائلات التي تعاني أصلاً من نقص حاد في البنية التحتية مقارنة بغرب المدينة. 

ان دراسة صندوق الاستثمار الفلسطيني لعام 2008 حذرت من تفاقم الأزمة بسبب محدودية الأراضي والنمو السكاني، ودعت لحلول جذرية وبعد ما يقارب عقدين، تبدو تلك التحذيرات وكأنها تصف واقعنا اليوم، وكأن الزمن توقف عند نفس الأزمات، بل تفاقمت.

من هنا، فإن الحديث عن الإسكان في القدس ليس ترفاً أكاديمياً، ولا ملفاً عقارياً فحسب بل هو ركن أساسي من أركان الصمود الوطني والاجتماعي. فكل شاب يُجبر على مغادرة المدينة بحثاً عن سكن، هو نافذة تُغلق في وجه مستقبل القدس وكل عائلة تُزيحها الأسعار إلى ما وراء الجدار، هي فصل جديد يُكتب في قصة تهجير بطيء، لا يصاحبه دوي انفجارات، بل صمت قاتل لفواتير لم تُدفع وحلم يؤجّل.

في الحلقة القادمة، سنفتح ملفاً أكثر تعقيداً وحساسية:
من يملك القدس فعلاً؟ سنكشف خيوط اللعبة العقارية، من الملاك والمطورين، إلى البنوك والأوقاف والمؤسسات، لنفهم كيف تشكّلت هذه السوق التي أوصلت المدينة إلى ما هي عليه اليوم.

أما اليوم، فأكتفي بتلك الجملة التي بدأنا بها، لأنها وحدها الكفيلة بتلخيص كل ما قيل:

في القدس، لا يبحث الإنسان عن مجرد بيت... بل يبحث عن حقه في البقاء