سعادة الإمام وسعادة الحمام!؟
حين يتعرض الإمام أبوحامد الغزالي بكتابه الجميل والفريد "كيمياء السعادة" للقلب يشبهه بالمعدن القابل للصدأ وذلك بما يحمل من الذنوب (الصدأ)، والحل عنده بصقل النفس بالذكر والصلاة والتوبة والجهاد الداخلي.
وفي مجال التنافس بين "المُهلكات" كما أسماها و"المنجيات" بالنفس فإنه يشير للتقابل بين الأولى والثانية حيث تقف المهلكات مثل: الكِبر (والغرور) والحسد وحُب الجاه (ومنه السلطة والمركز والنفوذ) والأموال في مواجهة مرعبة أمام: الإخلاص والتواضع والصبر والرحمة.
وحين يتعامل حجة الإسلام أبوحامد الغزالي (450-505 هـ) مع السعادة بإطار الحاجات فإنه لا يلغي الحاجات الانسانية (أو الشهوات بلفظته) مثل الأكل والشرب والزواج ..الخ (انظر سلّم الحاجات الانسانية ال8 عند العالم أبراهام ماسلو) وإنما يرى الخير كله بتشذيبها أو تنظيمها لأن سعادة البهيمة فقط في الأكل والنوم والنكاح حصريًا، وسعادة الحيوانات المفترسة في القهر والفتك والسطوة -إضافة لما سبق-ما لا يستقيم مع الانسان المخلص الساعي للسعادة بشقيها الدنيوي والأخروي.
حين وضع "ابراهام ماسلو" (1908-1970م) سلّم أو هرم الحاجات الانسانية (الناقص) من 5 درجات بالبداية، كان لايعبأ بالحاجات المعرفية أو الجمالية أو حاجات السمو (أي الروحية) التي أضافها لاحقًا لتصبح ثمانية، بينما الإمام أبوحامد الغزالي في كتاب "كيمياء السعادة" قد تنبه للموازنة بين الحاجات الانسانية (الحيوانية) والحاجات الانسانية ذات الفرادة والتميز عن كافة الكائنات الأخرى ومنها المعرفية والجمالية والروحية، وهي التي فطن لها ماسلو أواخر حياته في هرمه الثماني.
نعود لإمامنا أبي حامد الغزالي فلقد أظهر حبه للعلم كسياق معرفي جالب للسعادة حيث تتموضع المعارف التي منها معرفة الله سبحانه وتعالى، ومعرفة النفس ومعرفة العالم أو الدنيا، وما معرفة الا بعلم وقراءة عميقة وتفكر وبحث واستكشاف (وللقلة يأتي العلم اللدنّي أي من عند الله، وفي هذا المفهوم لنا نظر).
يضع الإمام الغزالي العبادات في إطارقدرتها على تحقيق السعادة، أي أن السعادة ثمرة العبادة. وإن لم يحصل ذلك فما القيمة المتأتية من حركات بلا روح ولا قُرب ولا صِلة ولا طاعات، أو نهي عن منكرات أو بلا عمل مضيء مشرق خيّر.
إن أردنا وضع هيكل للسعادة عند الإمام حجة الإسلام أبوحامد الغزالي فإنه يبدأ بأقلها شأنا أي السعادة الجسدية الممثلة بالشهوات، والتي يدرك وجودها وتلبيتها ولكن في إطار التشذيب والتوازن وعليه نضع:
1. الحاجات الانسانية الأساسية في أسفل السلّم من مأكل ومشرب ونكاح، وأخلاق مرتبطة بالغضب والاستياء وغيره.
2. ثم يصبح بالدرجة الثانية الجهاد الذاتي لتحقيق أمان النفس وأمنها وسكونها عبر تحقيق ضبط النفس في شهواتها أو حاجاتها الأولية (الجسدية) ما يحقق التوازن
3. يأتي تحقيق المعرفة والعلم بالله والنفس والدنيا في مرتبة أعلى من الحاجات الأولية الجسدية.
4. ويشير الى تحقيق السعادة بالعمل، العمل الصالح وتهذيب النفس كمقدمة للمعارف اللاحقة والدرجات.
5. وفي منطقة أو درجة الأخلاق المكملة للمعرفة والجهاد والعمل يحذر من صدأ القلب بالذنوب مطالبًا بجلي القلوب الصدئة ب"المنجيات" مقابل "المهلكات"، بالأخلاص والتواضع والصبروالرحمة، المقترنة حكمًا بالعبادة والعمل.
6. ثم يضيف المعرفة الأخروية كمعرفة تجلب الطمأنينة القصوى والرضا ما يحث عليها، وهي معرفة تتحدى الزائل الى الباقي عند الله حيث أن الدنيا دار ممر والآخرة دار المقر.
في سياق آخر ومتصل استخدم الغزالي رمزية الطير بكتابه "رسالة الطير" ليشير الى النفس البشرية أو الروح في رحلتها الشاقة نحو الانعتاق من قيود المادة، والاتصال بالخالق. وهي العمل البديع الذي ألهم الشاعر الفارسي فريد الدين العطار لينظم "منطق الطير".
ومن "رسالة الطير" و"كيمياء السعادة" نرى أن الغزالي يرى السعادة في الانعتاق لا بالانغماس (المقصود الانغماس بالشهوات)، كما في معرفة الله ولذة الجهاد الذاتي والصبر وفي العبودية والطمانينة. في مقابل فهمنا الحديث لمقومات السعادة للحيوانات والطيور ومنها الحمام تلك التي تنطلق من القضايا المادية أساسًا عند العثور على غذاء، أو عند النجاح بالعودة الى العش، أو عند الزواج، وعند إطعام الصغار، وعند التعرض لأشعة الشمس أو الاستحمام بالماء وهي كلها هامة -بالمقابل للانسان- فإن كان الانسان يتوقف عندها فقط فما الفرق بينه وبين الحيوانات أو الطيور أوالحمام!؟
يقرر الإمام الغزالي أن الحياة رحلة قصيرة (دار ممر) قد تؤتي أكلها والثمرات وخوض الصراع بإحداث التغيير المطلوب إن استطاع المرء فهمها وتشذيب وتهذيب حاجاته الانسانية بتلبيتها ضمن القيم والأخلاق والتوازن والمعرفة والعمل وفي إطار العبادات الناهية، والموصلة لله سبحانه وتعالى وولوج باب الآخرة بجهاد النفس في الدنيا، ما يحقق لنا سعادة الإمام.