حين لا تكفي العدالة وحدها: معركة السرديّة الفلسطينية أمام هيئة المحلفين الدولية

2026-06-27 16:55:30

في الدول التي تتبع النظام القانوني الأنجلوسكسوني، مثل بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، يقوم النظام القضائي على توزيع واضح للأدوار بين القاضي وهيئة المحلفين، بما يضمن الفصل بين تطبيق القانون وتقدير الوقائع. فالقاضي يتولى إدارة جلسات المحاكمة وضبط الإجراءات القانونية وشرح القواعد القانونية الواجب تطبيقها، كما يختص بالفصل في المسائل القانونية أثناء سير الدعوى. أما  تقدير الوقائع، أي  تحديد ما حدث فعلياً في القضية، فيُترك عادةً لهيئة المحلفين في القضايا التي تُعقد فيها محاكمات

في الدول التي تتبع النظام القانوني الأنجلوسكسوني، مثل بريطانيا والولايات المتحدة، يقوم النظام القضائي على توزيع واضح للأدوار بين القاضي وهيئة المحلفين، بما يضمن الفصل بين تطبيق القانون وتقدير الوقائع. فالقاضي يتولى إدارة جلسات المحاكمة، وضبط الإجراءات القانونية، وشرح القواعد القانونية الواجب تطبيقها، كما يختص بالفصل في المسائل القانونية أثناء سير الدعوى. أما تقدير الوقائع، أي تحديد ما حدث فعلياً في القضية، فيُترك عادةً لهيئة المحلفين في القضايا التي تُعقد فيها محاكمات أمام محلفين ( القضايا الخطيرة والجنايات الكبرى).

تتكون هيئة المحلفين من مجموعة من المواطنين العاديين يتم اختيارهم وفق معايير وإجراءات قانونية محددة لضمان الحياد. وتتمثل مهمتها في الاستماع إلى الأدلة والشهادات المقدمة من طرفي الدعوى، ثم مناقشتها وتقييمها للوصول إلى قناعة جماعية بشأن الوقائع، وعلى أساسها تصدر قرارها بالإدانة أو البراءة في القضايا الجنائية. وبذلك، لا تقوم العدالة في هذا النظام على النص القانوني وحده، بل تعتمد أيضاً على قوة الأدلة ومدى إقناعها لهيئة المحلفين في تكوين قناعتهم حول حقيقة ما حدث.

ومن هذه الزاوية، تبدو القضية الفلسطينية وكأنها تخوض معركة مستمرة أمام “هيئة محلفين” عالمية. ففي هذا السياق، لا يكفي امتلاك عدالة القضية أو قوة الحق التاريخي والإنساني، بل يصبح ضرورياً أيضاً امتلاك خطاب مُوحّد وسرديّة متماسكة قادرة على الوصول إلى وعي هذا الجمهور العالمي والتأثير فيه.

وفي هذا التشبيه، تُمثّل هيئة المحلفين المجتمع الدولي بمختلف مكوناته من دول ومؤسسات ومنابر إعلامية وصناع قرار ورأي عام، فيما يُنظر إلى الاحتلال الإسرائيلي بوصفه جهة الادعاء، بينما يمثل الفلسطينيون بمختلف قواهم السياسية هيئة الدفاع. وعليه فإن “المحاكمة”  لا تُحسم على أساس الوقائع وحدها، بل على أساس كيفية تقديمها، وترتيبها، وصياغتها ضمن رواية قادرة على الإقناع والتأثير.

ومن هنا تبرز إحدى أهم الإشكاليات المرتبطة بالقضية الفلسطينية؛ إذ تمتلك هذه القضية المشروعية التاريخية والإنسانية والقانونية، غير أن هذه المشروعية تفتقر إلى قوة سياسية مؤثرة على الساحة الدولية. ففاعلية أي قضية في المجال السياسي لا تقوم على عدالتها وحدها، بل على كيفية تقديمها وصياغتها ضمن خطاب موحّد ورؤية مشتركة قادرة على مخاطبة العالم بلغة واضحة ومقنعة. لذلك، فإن غياب السردية الواحدة أو تشتت الخطاب يحدّ من القدرة على تحويل هذه المشروعية إلى تأثير فعلي في موازين القوى وصنع القرار الدولي.

وتتجلى خطورة هذا التحدي عندما نطبق التشبيه القضائي على أداء “هيئة الدفاع”. ففي أي محكمة، تنظر هيئة المحلفين ليس فقط إلى الأدلة، بل أيضاً إلى مدى تماسك الفريق الذي يقدمها. وعندما يظهر فريق الدفاع منقسماً، أو يتحدث بأكثر من صوت واستراتيجية متباينة، فإن ذلك لا يؤدي فقط إلى التشويش، بل يثير الشك حول الرواية نفسها وحول الجهة المخولة بتمثيلها.

وفي الحالة الفلسطينية، يتجسد هذا الإشكال في الانقسام السياسي الممتد حتى يومنا الحاضر، و الذي يجعلنا لا نظهر أمام “هيئة المحلفين الدولية” كهيئة دفاع واحدة، بل عدة أصوات وخطابات، لكل منها أولوياته وحساباته وأدواته.

وفي أي سياق قضائي، فإن هذا التعدد غير المنسجم لا يعزز الموقف، بل يضعفه. فحين يقدم أحد المحامين رواية، ويقدم آخر رواية مختلفة أو متناقضة، تتراجع قدرة المحلفين على تكوين صورة واضحة ومترابطة. وينطبق ذلك على الحالة الفلسطينية، حيث تصل الرسائل إلى المجتمع الدولي في كثير من الأحيان متباينة، ما يضعف القدرة على تحويل التعاطف الأخلاقي إلى دعم سياسي منظم وفاعل.

في المقابل، نجح الاحتلال الإسرائيلي لعقود في تقديم نفسه كطرف يمتلك خطاباً أكثر انضباطاً وتنسيقاً، مستفيداً من منظومة سياسية وإعلامية وقانونية متكاملة ساعدت في تثبيت روايته داخل قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي. وقبل الحرب التي أعقبت السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، كانت هذه السردية أكثر حضوراً وتأثيراً في العديد من الدوائر الغربية.إلا أن هذا التفوق النسبي لم يكن ثابتاً، فمع تصاعد حرب الإبادة الجماعية واتساع نطاقها، وما رافقها من دمار واسع وخسائر إنسانية كبيرة وانتشار صور ومشاهد صادمة على نطاق عالمي، بدأت الفجوة تتسع بين السرديّة المعلنة والواقع الميداني. ولم يعد التأثير مرتبطاً بقوة الخطاب وحدها، بل بمدى اتساقه مع الوقائع التي تصل مباشرة إلى وعي الرأي العام العالمي.

وفي السياق ذاته، لا تتحدد موازين التأثير بالخطاب السياسي وحده، بل بالعلاقة بين الفعل الميداني وصدى هذا الفعل في البيئات العربية والإسلامية والدولية. فكما أن ما يجري على الأرض يسهم في تشكيل الصورة الدولية، فإن الفعل الفلسطيني المنظم في الميدان، حين يكون مرتبطاً برؤية سياسية واضحة، يمكن أن يساهم في إعادة تشكيل اتجاهات الرأي العام وتعزيز أشكال التضامن والضغط السياسي الداعم للحقوق الفلسطينية. فالحراك الشعبي لا يتحرك بمعزل عن الوقائع، بل يتفاعل معها بشكل مباشر. وتتحول الأحداث الميدانية إلى محفزات تعيد تشكيل اتجاهات التعاطف أو الاحتجاج أو الضغط السياسي، بما يجعل أثر الفعل المنظم يتجاوز حدوده المحلية ليؤثر في البيئة السياسية والإعلامية الأوسع، وفي موازين الرأي العام خارج حدود الجغرافيا المباشرة للصراع.

وفي المحصلة، تبدو “محكمة الرأي العام الدولي” أقل اعتماداً على عدالة الموقف وحدها، وأكثر ارتباطاً بقدرة الأطراف على تقديم سردية متماسكة تنسجم مع أفعالها ووقائعها على الأرض. فالقضية العادلة تحتاج إلى هيئة دفاع موحدة بقدر حاجتها إلى حجج قوية، لأن تشتّت المدافعين عنها قد يُضعف أثر العدالة نفسها في نظر هيئة المحلفين.

وخلاصة القول، أن التحدي الفلسطيني لا يقتصر على إثبات عدالة القضية، بل يمتد إلى إعادة بناء وحدة التمثيل السياسي، وتوحيد الخطاب الوطني، وربط الفعل الميداني بالرؤية السياسية ضمن إطار استراتيجي واحد، قادر على تحويل التشظي إلى قوة، وتحويل الحدث إلى تأثير سياسي مستدام وفاعل في موازين الصراع الدولية.