حين يصبح الكرسي امتحاناً للضمير... والظلم ظلمات لا يبددها إلا العدل
"الظلم ظلمات." ليست جملة تُقال على عجل، بل حقيقة تكتبها الأيام على جباه المتكبرين، وتحفرها الدموع في قلوب المظلومين. فما من ظلمٍ إلا وله موعد مع العدالة، وإن تأخر، وما من قلبٍ انكسر لله إلا وجبره الله من حيث لا يحتسب. قد يطول الليل، وقد تثقل الخطوات، وقد يشعر الإنسان أن الدنيا كلها أغلقت أبوابها في وجهه، لكن الفجر لا يخون موعده، والحق لا يموت مهما أحاطت به جيوش الباطل.
تمر على الإنسان أيامٌ يظن فيها أن روحه أصبحت كغصنٍ يابسٍ أنهكته العواصف، وأن قلبه كسفينةٍ تكسرت مجاديفها في بحرٍ هائج، وأن صوته يضيع بين ضجيج المصالح وأصوات المتنفذين. يقاوم بصمت، يبتسم رغم الألم، ويخفي خلف ملامحه حروباً لا يعلم عنها أحد شيئاً. فكم من إنسانٍ يراه الناس قوياً ، بينما هو يحمل في صدره جبالاً من الوجع لا تستطيع الجبال نفسها حملها. وكم من ابتسامة كانت ستاراً لدموعٍ أرهقتها الليالي الطويلة.
اصبر... نعم، اصبر، ولكن لا تستسلم. قاوم، ولكن لا تتخلَّ عن كرامتك. تمسك بحقك كما يتمسك الغريق بخشبة النجاة، ولا تسمح لأحد أن يقنعك بأن المطالبة بالحق ضعف أو أن السكوت على الظلم فضيلة. ابكِ إن ضاق بك الطريق، فالبكاء ليس هزيمة، وإنما استراحة محارب. احزن إن أثقلتك الخيبات، لكن لا تجعل الحزن وطناً دائماً. انهض بعد كل سقوط، فالأشجار العظيمة لم تصبح عظيمة إلا لأنها قاومت الرياح عاماً بعد عام.
واعلم أن أكثر ما يؤلم في هذه الحياة ليس قسوة الأعداء، بل خذلان من ظننتهم أهلاً للوفاء. هناك أناس يقتربون منك بابتسامة، لكنهم يخفون خلفها مصالحهم، يستغلون طيبتك، ويحسبون حلمك ضعفاً، وصبرك استسلاماً، ونقاء قلبك فرصة للعبور فوق أحلامك. وهؤلاء لا يدركون أن الطيب قد يصبر طويلاً ، لكنه حين ينهض لا يعود كما كان، وأن الكرامة إذا استيقظت لا تسمح لأحد أن يطأها مرة أخرى.
وإلى كل من جلس على كرسي مسؤولية، تذكر أن الكرسي ليس وساماً للتكبر، بل أمانة ثقيلة ستُسأل عنها أمام الله. إن المناصب لا تصنع الرجال، وإنما الرجال هم من يصنعون قيمة المناصب. ليس العظيم من يرفع صوته على الناس، بل من يخفض جناحه لهم. وليس القوي من يجعل الآخرين ينتظرون عند بابه، بل من يفتح أبوابه ويمد يده لكل صاحب حق.
اتقوا الله في الناس... فرب اتصال لم يستغرق ثواني كان سبباً في إنقاذ إنسان من اليأس، ورب رسالة قصيرة أعادت الأمل إلى قلبٍ أنهكته الحياة، ورب كلمة طيبة كانت أعظم من آلاف القرارات. تذكروا أنكم كنتم يوماً تبحثون عن فرصة، وتنتظرون من يسمعكم، وتفرحون بمن يرد عليكم باحترام. فلا تجعلوا الكرسي ينسيكم الطريق الذي أوصلكم إليه.
لقد عرفنا مسؤولين كانت أخلاقهم تسبق مناصبهم، وكانت تواضعهم أكبر من ألقابهم، يستقبلون الجميع بابتسامة، ويعاملون الناس بإنصاف، ويؤمنون أن المنصب خدمة لا سيادة، ورسالة لا استعراض. وفي المقابل، رأينا من ظن أن الكرسي جعله فوق البشر، وأن تجاهل الناس يزيده هيبة، وأن الغرور يمنحه قيمة، بينما الحقيقة أن التواضع وحده هو الذي يرفع الإنسان، أما الكبر فلا يورث صاحبه إلا العزلة وسوء الذكر.
إن التاريخ لا يحفظ أسماء المتكبرين إلا ليجعلهم عبرة، بينما يخلد أصحاب القلوب الرحيمة، أولئك الذين مروا في حياة الناس فتركوا أثراً جميلاً. فالإنسان لا يُقاس بعدد المناصب التي تقلدها، وإنما بعدد القلوب التي دعا أصحابها له بظهر الغيب.
وفي خضم الأزمات، حين تضيق الأرض بما رحبت، لا تنسَ أبداً أولئك الذين وقفوا إلى جانبك دون أن يطلبوا مقابلاً . لا تنسَ من كان يربت على كتفك حين كان الجميع يدير ظهره لك. لا تنسَ من اختارك في عتمتك، ولم يخشَ الاقتراب منك وأنت مكسور. لا تنسَ من كان سندًا لك حين كانت الطرق موصدة، ومن طيب خاطرك بكلمة صادقة حين كانت الكلمات نادرة.
فهؤلاء هم الثروة الحقيقية في هذه الحياة، وهم النجوم التي تهديك حين تتكاثر العتمات. حافظ عليهم كما يحافظ المسافر في الصحراء على آخر قطرة ماء، فهم ليسوا مجرد أشخاص مروا في حياتك، بل كانوا جسوراً عبرت عليها نحو النجاة.
وأخيراً... لا تجعل الظلم يسرق منك إنسانيتك، ولا تسمح للخذلان أن يحول قلبك إلى صخرة. كن قوياً، ولكن رحيماً. كن ثابتاً، ولكن متواضعاً. دافع عن حقك، ولكن لا تتنازل عن أخلاقك. واعلم أن الله يرى دمعتك قبل أن تنزل، ويسمع أنين قلبك قبل أن تنطق، ويعلم كم قاومت، وكم انكسرت، وكم أخفيت من وجع حتى لا تثقل على أحد.
سيأتي يوم تنظر فيه إلى كل ما مررت به، فتدرك أن الله لم يكن يؤخرك، بل كان يصنع منك إنساناً أقوى، وأكثر حكمة، وأشد صلابة. وسيبقى الظلم، مهما طال، ظلمات، وسيبقى العدل نوراً، وسيبقى الحق شجرةً قد تتأخر ثمارها، لكنها لا تموت أبداً، لأن جذورها مغروسة في وعد الله الذي لا يخلف الميعاد.