تهجير أهالي غزة بمقياسٍ عملي

2026-06-30 09:36:27

 

كشفت القناة 13 العبرية أن إسرائيل تعيد إحياء خطة تهجير سكان قطاع غزة، تحت مسمىً جديد "الحركة الحرة".

في سياق صراع إسرائيل الطويل وغير المتكافئ مع الفلسطينيين، كان تفريغ فلسطين من سكانها هدفاً ثابتاً شُنّت من أجل تحقيقه حروبٌ وصلت أخيراً حدّ الإبادة، ووضعت له برامج وخططٍ مباشرةٍ وغير مباشرة، أُنفقت عليها المليارات وعُرضت إغراءاتٌ قدّرت إسرائيل بأنه من الصعب أو المستحيل عدم قبولها من قِبل الدول التي رشّحتها لاستيعاب المهاجرين وكانت النتيجة فشلاً مطلقاً للفكرة والمشروع والأهداف المعلّقة عليه.

لم ينجح مشروع التهجير والتفريغ رغم إلقاء أمريكا ترمب كل ثقلها وراءه، منذ بداية حرب الإبادة على غزة، ولم تُنسى عناوين السياسة الأمريكية الرسمية والمشتركة مع إسرائيل في هذا المجال، كالريفييرا وإنشاء مدنٍ نموذجيةٍ للملايين الفلسطينية المقرر تهجيرها.

كما لا تُنسى محاولات تخصيص موانئ ومطاراتٍ لنقل المهجّرين إلى أي مكانٍ يقبل بهم، فماذا كانت النتيجة في الواقع؟

الأمريكيون الذين شاركوا إسرائيل في البدايات أعلنوا إفلاسهم في هذا الأمر، وألزموا أنفسهم بالاعتراف بحق المواطن الغزي حال سفره من القطاع إلى أي مكان، ان يعود إلى وطنه دون قيود، وتوقف الحديث في أمريكا نهائياً عن بدعة الريفييرا والأوطان البديلة.

أمريكا لم تفعل ذلك جرّاء يقظة ضمير، أو عودةً من الضلال إلى الصواب، بل لأنها أيقنت من استحالة نجاح المشروع ليس فقط بفعل عدم وجود دولٍ ترجب بالمهجّرين وتُنشئ لهم مدناً وقرىً على أرضها، بل لأن أهل غزة ورغم ما يتعرضون له من قتلٍ يوميٍ وتدميرٍ منهجيٍ لبيوتهم وحتى خيامهم، قرروا البقاء على أرض الوطن، وحتى الذين ولظروفٍ ما، وُجدوا خارج غزة في أي مكانٍ قريبٍ أو بعيد، تراهم الآن يتزاحمون أمام معبر رفح للعودة إلى ديارهم، مع أنهم يعرفون بأنهم يعودون إلى بيوتٍ مدمرة، ويقينهم أن ما دُمّر بالأمس، سوف يبنى اليوم أو غداً، كما أن المسألة ليست فقط حكاية بيتٍ صالحٍ للسكن، أو مرافق تعمل أو لا تعمل، فالمسألة تتصل بمفهوم الوطن أصلاً والنزوع الإنساني العميق لارتباطه بالحياة والكرامة والمستقبل، خصوصاً بالنسبة لشعبٍ جرّب قسوة اللجوء، وما ينطوي عليه من إهدارٍ لآدمية الإنسان وكرامته.

لذلك وبالمقاييس العملية والإنسانية والسياسية والثقافية والوجدانية، فلا مجال لنجاح فكرة التهجير من أساسها، وهذا يُفترض أن تكون إسرائيل عرفته بالتجربة، ولكنها تجد نفسها بحاجةٍ إلى أن تظل تلوك تجارب فاشلة، ليس عل أمل تحقيق نجاحٍ فيها، ولكن لأن الجمهور يحتاج إلى بضاعةٍ من هذا النوع للتلهّي بها، كما تحتاج قيادته إلى نفس البضاعة لإقناعه بأنها تعمل ولا تتوقف عن العمل.

وحين تقع إسرائيل في فشلٍ ظاهرٍ للفكرة والمشروع، تلوذ بتغيير العناوين كنوعٍ من خداع الذات قبل خداع الآخرين، وآخر ما حُرر هذه الأيام هو الاختراع المسمّى بالحركة الحرة!